لم يكن هذا التحول في صعوبات إيجاد واستخراج ونقل النفط مفاجئاً بل جاء نتيجة طبيعية لتفاعل الجيولوجيا مع الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. طوال معظم القرن العشرين، كان العالم يعتمد على نفط رخيص وسهل الاستخراج يتدفق من حقول عملاقة قريبة من السطح، بتكاليف منخفضة وطاقة صافية عالية تكفي لدفع عجلة التصنيع والنمو العالمي. أما اليوم فقد أصبح هذا النوع من النفط محدوداً وحل محله نفط أصعب استخراجاً وأكثر تكلفة وأقل كفاءة، في تحول هيكلي يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية ويحمل تداعيات عميقة على الاقتصاد والأمن والجيوسياسة. تشير البيانات المتعددة إلى أن إنتاج النفط التقليدي بلغ قمة عالمية حول عامي 2005 و2006. قبل ذلك التاريخ، كانت الاكتشافات الكبرى في الستينيات والسبعينيات توفر فائضاً يسمح بنمو الإنتاج بسهولة نسبية. لكن معدل الاكتشافات الجديدة بدأ يتراجع منذ منتصف الستينيات، وبحلول منتصف الثمانينيات تجاوز الاستهلاك معدل الاكتشافات، ما أدى إلى تراجع تدريجي في الاحتياطيات المؤكدة التقليدية. فوفقاً لبيانات مستمدة من الصناعة النفطية فإن الإنتاج العالمي من النفط التقليدي وصل إلى ذروته أو قمة محدودة بالموارد في تلك الفترة، رغم ارتفاع الأسعار لاحقاً إلى مستويات تفوق المائة دولار للبرميل في فترات عدة. ومنذ ذلك الحين، جاءت معظم الزيادات في المعروض من مصادر غير تقليدية مثل النفط الصخري الأمريكي والرمال النفطية الكندية والنفط الثقيل جداً والحقول البحرية العميقة جداً. وهكذا لم يعد البرميل الهامشي الذي يُضاف لتلبية الطلب يأتي من حقول الشرق الأوسط العملاقة الرخيصة، بل من مصادر تتطلب استثمارات أكبر وتكنولوجيا أكثر تعقيداً.
ويترافق هذا التحول مع تسارع ملحوظ في معدلات التراجع الطبيعي للحقول القائمة. ففي 2010 كان توقف الاستثمارات يؤدي إلى خسارة نحو أربعة ملايين برميل يومياً سنوياً، أما اليوم فقد ارتفع الرقم إلى نحو 5.5 مليون برميل يومياً. وتختلف معدلات التراجع حسب نوع الحقل؛ فالحقول العملاقة البرية في الشرق الأوسط تتراجع بأقل من 2% سنوياً، بينما قد تتراجع الحقول البحرية الصغيرة في أوروبا بأكثر من 15%، ويتراجع النفط الصخري بأكثر من 35% في السنة الأولى إذا توقفت الاستثمارات الجديدة، ثم 15% إضافية في السنة الثانية. وهذا يعني أن الصناعة مضطرة إلى الجري أسرع لمجرد البقاء في المكان نفسه، وأن الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية يتطلب استثمارات مستمرة وكبيرة في حقول جديدة. وقد انعكس هذا الواقع مباشرة على هيكل التكاليف. كانت تكاليف الإنتاج في حقول الشرق الأوسط التقليدية تراوح تاريخياً بين 10 و20 دولاراً للبرميل، وما زالت من بين الأرخص عالمياً بمعدلات حديثة حول 27 دولاراً لبعض المشاريع الجديدة. أما النفط الصخري الأمريكي فتراوح تكاليف التعادل فيه حالياً بين 45 و65 دولاراً للبرميل في الأحواض الرئيسية مثل البرميان، مرتفعة عن المستويات التي سادت في ذروة النمو السابق. وتأتي الرمال النفطية الكندية أعلى تكلفة، غالباً في نطاق 50 إلى 75 دولاراً أو أكثر حسب المشروع. وحتى الحقول البحرية العميقة، رغم أنها أصبحت أكثر تنافسية بعد تخفيضات كبيرة في التكاليف ووصلت متوسطات تعادلها إلى نحو 40 أو 45 دولاراً في بعض التقديرات، فإنها تتطلب استثماراً أولياً.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
