حقلان يبتلعان ثلثي الطلبة، وثلاثون ألف ناجح يطرقون باب 1,240 مقعداً طبياً، واستثناءات تُصاغ بعد إغلاق بوابة القبول. قراءة نقدية في أول اختبار حقيقي لنظام الحقول، ووصفة للتصويب قبل أن يتحول الخلل إلى قاعدة.
كتبتُ قبل بدء التطبيق الفعلي أن السؤال الحقيقي ليس «كيف سيُطبَّق نظام الحقول؟» بل «هل أصبحت الدولة، لا وزارة التربية وحدها، جاهزة له؟». يومها كان السؤال استشرافياً، يحتمل التفاؤل الحذر ويتّسع لحسن الظن. أما اليوم، وقد أُعلنت نتائج التوجيهي وأُغلقت الجولة الأولى من القبول الموحد، فقد أجابت الأرقام عن السؤال بوضوح لا يحتمل التجميل: لم تكن المنظومة جاهزة، وكان الطالب هو من دفع كلفة عدم جاهزيتها.
ولستُ هنا بصدد الحكم على فكرة التخصص التدريجي؛ فهي فكرة تربوية سليمة في جوهرها، ولا يزال الدفاع عنها ممكناً. لكن الأفكار السليمة لا تُعفي من المساءلة حين تُنفَّذ بلا اختبار ضاغط، ولا بيانات منشورة، ولا تشاور حقيقي مع من سيتحمّلون نتائجها. والإنصاف للفكرة يقتضي تحديداً أن نُسمّي أخطاء التنفيذ بأسمائها قبل أن تتصلّب وتصير هي «النظام».
الأرقام أولاً: ماذا قال فوج 2026؟
تقدّم للامتحان فعلياً 178,296 طالباً وطالبة، ونجح منهم 116,366 بنسبة 65.3%، وهي الأعلى في تاريخ الامتحان كما أعلنت الوزارة. غير أن نسبة النجاح المرتفعة ليست شهادة جودة؛ فهي قد تعكس تغيّر بنية الامتحان وعدد مواده بقدر ما تعكس تحسّن التعلّم. أما الرقم الذي كان يجب أن يستوقف صانع القرار قبل عامين، لا اليوم، فهو توزيع الطلبة على الحقول.
المؤشر القيمة طبيعة الرقم
طلبة المسار الأكاديمي النظاميون 127,956 رسمي
الحقل الصحي 45,116 (35.3%) رسمي / محسوب
حقل القانون والعلوم الشرعية 38,702 (30.2%) رسمي / محسوب
حقل الأعمال 4,150 (3.2%) رسمي / محسوب
المتقدمون للقبول الموحد بطلبات صحيحة 71,014 رسمي
المقاعد التنافسية للبكالوريوس في الجامعات الرسمية 41,844 رسمي
غير المرشحين في الجولة الأولى 24,686 (35%) رسمي
مقاعد الطب وطب الأسنان (البرنامج العادي) 1,240 رسمي
أدنى معدل تنافسي مقبول في الطب 97.6% رسمي
حقلان يبتلعان ثلثي الطلبة ولم يتوقّع أحد؟
استحوذ الحقل الصحي وحقل القانون والعلوم الشرعية وحدهما على 65.5% من طلبة المسار الأكاديمي، في حين لم يتجاوز حقل الأعمال 3.2%، أي أن أكبر الحقول يفوق أصغرها بنحو أحد عشر ضعفاً. وبلغة مؤشرات التركّز، فإن ستة حقول على الورق تحوّلت في سلوك الطلبة إلى ما يعادل أربعة حقول فعلية فقط.
هذا التركّز لم يكن مفاجأة يستحيل توقّعها. فالإقبال التاريخي على الطب معروف، وكان متوقعاً أن يجتذب حقلٌ يخلو من الرياضيات والعلوم أعداداً كبيرة من الطلبة الهاربين من المواد الصعبة لا الراغبين في القانون. والسؤال المشروع هنا: أين كانت الإسقاطات المسبقة؟ لم تُنشر، في حدود ما أمكن الاطلاع عليه، أي دراسة تُظهر أن سيناريوهات توزيع الطلبة اختُبرت قبل إطلاق النظام. وإصلاح بهذا الحجم يمسّ مستقبل مئة وثلاثين ألف طالب سنوياً لا يجوز أن يُطلَق دون «اختبار ضاغط» يُعدّ من أبجديات التخطيط التربوي.
ثلاثون ألفاً أمام 1,240 مقعداً
تشير تقديراتي المبنية على نسب النجاح المعلنة إلى نحو 30 ألف ناجح في الحقل الصحي. في المقابل، لا تتجاوز مقاعد الطب وطب الأسنان في البرنامج العادي بالجامعات الرسمية 1,240 مقعداً، حتى بعد رفعها في أيلول 2026. أي نحو 24 ناجحاً لكل مقعد. ولم يكن غريباً إذن أن يبلغ أدنى معدل مقبول في الطب 97.6%، وأن يلامس 99.3% في الجامعة الأردنية.
وحين نتذكّر أن خطة 2023 خفّضت مقاعد الطب في الجامعات الرسمية من 800 إلى 640، ثم عاد القرار في أيلول 2026 ليرفعها إلى 840 بعد أن ظهر حجم الحقل الصحي، ندرك أننا أمام سياسة تتحرّك بردّة الفعل لا بالتخطيط. لقد صُمِّم حقل بطاقة طلابية تفوق سعة تخصصاته «النجمية» بعشرين ضعفاً، ثم قيل للطلبة إن أمامهم «أكثر من 151 تخصصاً»، وهو رقم يحتسب التخصص الواحد مكرراً بعدد الجامعات التي تطرحه.
« إصلاحٌ يُكتشف حجمُ آثاره بعد إعلان النتائج ليس إصلاحاً مخطَّطاً، بل تجربةٌ تُجرى على جيل كامل »
حقل القانون: هل نُخرّج البطالة بقرار إداري؟
بلغ عدد طلبة حقل القانون والعلوم الشرعية 38,702، وتُقدّر أعداد الناجحين فيه بنحو 24 ألفاً. في المقابل، تقول نقابة المحامين إن ما بين 3,100 و3,200 خريج فقط يتقدمون سنوياً لامتحانها، وإن السوق لا يستوعب حتى الأعداد الحالية. والأخطر أن النقابة أعلنت أنها لم تُستشر في تصميم الحقول، مع أن نحو 80% من خريجي الحقوق يتجهون إلى مهنة المحاماة.
وهنا يتجاوز النقد حدود التعليم إلى الحوكمة: كيف يُصمَّم مسار مدرسي يغذّي مهنة منظّمة بقانون، دون أن تُسأل الجهة التي تنظّمها؟ لقد تساءلتُ سابقاً: هل بُنيت الحقول على دراسة استشرافية لسوق العمل أم على تصنيف التخصصات الجامعية القائمة؟ وجاء الجواب عملياً: غاب سوق العمل عن طاولة التصميم، وحضر لاحقاً في صورة بيان تحذيري.
الخطيئة البنيوية: الخلط بين الأهلية والمنافسة
في قلب الأزمة خلل مفاهيمي واحد، تتفرّع عنه معظم المشكلات: لم يُفرِّق النظام بين الأهلية، أي امتلاك الطالب للمتطلبات السابقة لدراسة التخصص، والمنافسة، أي ترتيب المؤهلين حين يفوق الطلب المقاعد. فجُعل «مسمّى الحقل» بوابةً للأهلية بدل المواد التي درسها الطالب فعلاً، وبقيت المنافسة على معدّل عام واحد يُقارَن فيه طالب درس الكيمياء والأحياء بطالب درس الرياضيات والفيزياء، دون أي معايرة.
والدليل من الواقع لا من التنظير: طالب الحقل الصحي الذي درس الأحياء والكيمياء لم يكن مسموحاً له ابتداءً بالتقدم لتخصصات الأحياء والكيمياء الجامعية، ثم أُضيفت إلى قائمته لاحقاً. فإذا كانت المواد متوافرة منذ البداية، فما الذي كان يمنعه غير اسم الحقل؟ وهكذا أصبح الحقل، كما يقول الناقدون، أقوى من معدّل الطالب وقدراته ورغبته مجتمعة.
الترقيع بالقطعة: قواعد تُكتب بعد انتهاء اللعبة
خلال دورة قبول واحدة شهدنا: توسيع قوائم التخصصات لبعض الحقول بعد إعلان النتائج، ورفع مقاعد الطب قبل إعلان القبول بأسبوعين، ثم السماح في 26 27 أيلول، أي بعد إعلان نتائج الجولة الأولى، لطلبة الحقل الصحي بالتقدم للهندسة الطبية الحيوية والهندسة الكيميائية، ولطلبة القانون والشريعة بتخصصات اللغة العربية. وكل ذلك عبر جولة انتقال محدودة بثلاثة خيارات فقط.
لا أعترض على المرونة، فالاستجابة للتغذية الراجعة فضيلة مؤسسية. لكن للمرونة التي تأتي بعد إغلاق البوابة وجهاً آخر: فالطالب الذي رتّب.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
