حسن رامو: تدبير الشأن الثقافي في البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية

أُسدل الستار على اقتراع 23 شتنبر 2026 بنتائج متباينة تعكس، في جانب منها، تباين الانتماءات والمرجعيات الفكرية والأيديولوجية داخل المشهد الحزبي المغربي. فعلى غرار الاستحقاقات الانتخابية السابقة، لم تُفرز الانتخابات الأخيرة تركّزاً واضحاً للأصوات حول حزب واحد أو مجموعة من الأحزاب ذات المرجعيات المتقاربة، بل أظهرت تفاوتاً ملحوظاً في توزيع الأصوات بين مختلف المكونات السياسية. ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في الفارق المسجل بين الأصوات التي حصل عليها حزب الأصالة والمعاصرة، ذي التوجه التقدمي وتلك التي حصلت عليها أحزاب اليسار، وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية أو تحالف اليسار. وتنطبق الملاحظة نفسها على تشتت الأصوات بين عدد من الأحزاب ذات المرجعيات المحافظة، مثل الاستقلال والعدالة والتنمية والحركة الشعبية.

ويعكس هذا الوضع، إلى حد كبير، التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي وطبيعة السلوك السياسي والانتخابي للمواطن المغربي، الذي ظل، في مراحل سابقة، يميل إلى التصويت للأشخاص أكثر من التصويت للبرامج أو للانتماءات الحزبية. غير أن هذا السلوك يبدو أنه يتجه تدريجياً نحو قدر أكبر من البراغماتية الانتخابية، من خلال تنامي أهمية المواقف السياسية ودور البرامج الانتخابية في تحديد الاختيار الانتخابي، على حساب المرجعيات الفكرية والأيديولوجية وحدها. ولعل من أبرز مظاهر هذا التحول بروز ما يمكن تسميته بـ«التصويت العقابي»، الذي أصبح أكثر حضوراً في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة.

ومع اقتراب تشكيل الحكومة المقبلة، تطرح، بشكل أكثر إلحاحاً، مسألة مدى التجانس والتقارب بين البرامج الانتخابية للأحزاب التي ستشكل الأغلبية الحكومية، خصوصاً في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تواجه المغرب خلال المرحلة المقبلة، بما فيها استحقاقات تنظيم كأس العالم، وقضية الوحدة الترابية والحكم الذاتي، فضلاً عن تحديات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

وبقراءة أولية للبرامج الانتخابية للأحزاب، يبرز شبه إجماع حول أولوية عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمتها القدرة الشرائية، والتعليم، والصحة، والتشغيل والشباب. غير أن التوقف عند مكانة الثقافة في هذه البرامج يكشف عن مجموعة من الملاحظات ذات أهمية خاصة.

وتبرز القراءة الأفقية للبرامج الانتخابية تفاوتاً واضحاً في المكانة التي تحتلها الثقافة داخل التصورات الحزبية. فقد قدمت بعض الأحزاب ذات التوجه التقدمي واليساري التزامات أكثر تفصيلاً وتصورات مقرونة، في بعض الحالات، بمقترحات تتعلق بالميزانية، من قبيل تخصيص ما يعادل 1 في المائة من الميزانية العامة للقطاع الثقافي، كما هو الشأن بالنسبة إلى التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي وتحالف اليسار. وتنطلق هذه الأحزاب، بدرجات متفاوتة، من اعتبار الثقافة حقاً من حقوق المواطنين وخدمة عمومية، بما يستوجب تطوير القطاع وتقوية بنياته ومؤسساته وضمان الولوج العادل إلى الخدمات والمنتجات الثقافية، بما يحقق قدراً أكبر من العدالة الثقافية بين الجهات وبين الوسطين الحضري والقروي.

في المقابل، تعاملت مجموعة من الأحزاب مع الثقافة باعتبارها رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، قادرة على تحريك عدد من الأنشطة الاقتصادية، ولا سيما الصناعات الثقافية والإبداعية، وخلق فرص الشغل، واستقطاب الاستثمارات وتطوير الاقتصاد الإبداعي. ويبرز هذا المنظور، بدرجات متفاوتة، لدى التجمع الوطني للأحرار وأحزاب أخرى، حيث تُقرأ الثقافة ليس فقط باعتبارها مجالاً للهوية والإبداع، وإنما أيضاً باعتبارها قطاعاً اقتصادياً يمكن أن يساهم في خلق القيمة المضافة وتحقيق التنمية وخلق مناصب الشغل.

أما الفئة الثالثة من البرامج، فتتعامل مع الثقافة بدرجة أكبر باعتبارها أداة لحماية الهوية وترسيخ منظومة القيم. ويظهر هذا التوجه، بشكل خاص، لدى بعض الأحزاب ذات المرجعيات المحافظة، وفي مقدمتها حزب الاستقلال، الذي يدرج الثقافة ضمن منظومة القيم والأسرة، وحزب العدالة والتنمية، الذي يربط الثقافة، وفق تصوره، بحماية الهوية والقيم الإسلامية، من خلال الإعلام العمومي والرقمنة والمناهج التربوية. وفي المقابل، ينفرد حزبا الحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة بتركيز أكبر على قضايا التنوع الثقافي واللغوي وترسيم الأمازيغية، انسجاماً مع المقتضيات الدستورية لِـ2011.

غير أن اللافت للانتباه هو أن بعض البرامج الانتخابية تقترح سياسات عمومية في المجال الثقافي انطلاقاً من منظور هوياتي حزبي، أكثر منه من منظور وطني جامع، كما حدده دستور 2011، الذي أكد أن الهوية المغربية موحدة بانصهار مكوناتها العربية-الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. ومن ثم، فإن تدبير الثقافة لا ينبغي أن يختزل في مكوّن واحد من مكونات الهوية الوطنية، بل يفترض استحضار هذا التنوع باعتباره أحد عناصر قوة النموذج الثقافي المغربي.

وتطرح البرامج الانتخابية، في هذا السياق، سؤالاً آخر لا يقل أهمية يتعلق بمكانة الدبلوماسية الثقافية. فباستثناء بعض المقترحات المحدودة، لم تولِ غالبية الأحزاب، ولا سيما بعض الأحزاب المتصدرة للانتخابات، اهتماماً يوازي أهمية هذا المجال في سياساتها الخارجية. وهو ما يثير التساؤل حول مدى قدرة المغرب على استثمار رصيده الثقافي والتاريخي واللغوي في تعزيز حضوره الدولي وتطوير قوته الناعمة.

ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي والثقافي للمغرب، وتقاطع روافده الثقافية واللغوية مع عدد من دول الساحل وشمال إفريقيا، فضلاً عن تجربته في تدبير التنوع الثقافي واللغوي وإدماج الأمازيغية في المنظومتين التربوية والإعلامية. وهي تجربة يمكن أن تشكل مجالاً للتبادل والتعاون الثقافي مع عدد من الدول الإفريقية (خاصة بالساحل). كما أن المغرب البلد الوحيد بالمنطقة الذي ارتقى بالحسانية الى مستوى الإشارة الدستورية ونفس الملاحظة بالنسبة للرافد العبري والافريقي وهذا ما يمنح المغرب رصيداً رمزياً وثقافياً يمكن توظيفه ضمن استراتيجية متكاملة للدبلوماسية الثقافية. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الثقافة مجرد قطاع حكومي يقتصر تدبيره على دعم المؤسسات الثقافية والفنون والتراث، بل يمكن أن تتحول إلى إحدى أدوات السياسة الخارجية، وإلى مجال لتقوية العلاقات مع إفريقيا بما في ذلك دول الساحل.

ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة المقبلة، بعد تشكيلها، هو القدرة على بناء أرضية مشتركة بين الأحزاب المشاركة فيها بشأن تدبير القطاع الثقافي، بما يضمن الانتقال من اختلاف المرجعيات الحزبية إلى سياسة ثقافية وطنية منسجمة، تستند إلى الدستور، وتحافظ على تعدد مكونات الهوية المغربية، وتحقق العدالة الثقافية، وتدعم الاقتصاد الإبداعي، وتمنح الدبلوماسية الثقافية موقعاً أكثر حضوراً ضمن استراتيجية المغرب للإشعاع الدولي.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
هسبريس منذ ساعتين
آش نيوز منذ 18 ساعة
موقع بالواضح منذ 17 ساعة
موقع بالواضح منذ 19 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 14 ساعة
أحداث الداخلة منذ ساعتين
هسبريس منذ 23 ساعة