الذكاء الاصطناعي في الطب.. مساعدة أم أخطاء جديدة؟

خبرني - يدخل المريض إلى العيادة، يصف أعراضه، يراجع الطبيب تحاليله وصوره الطبية، ثم يظهر طرف ثالث في عملية اتخاذ القرار: خوارزمية تقترح تشخيصا، أو تحدد منطقة مشبوهة في صورة أشعة، أو تحذر من احتمال تدهور حالة المريض.

هذا المشهد لم يعد من الخيال العلمي. فالذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل جزءا من الطب الحديث، من قراءة صور الأشعة وتشخيص اعتلال الشبكية السكري إلى اكتشاف السلائل أثناء تنظير القولون وتلخيص السجلات الطبية. وحتى سبتمبر/أيلول 2026، كانت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية قد سمحت بتسويق أكثر من 1600 جهاز طبي يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي.

لكن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى الطب؟ فقد دخل بالفعل. السؤال الأكثر أهمية هو: هل سيجعل الطب أكثر أمانا ودقة، أم أنه سيضيف إلى الأخطاء البشرية جيلا جديدا من الأخطاء الخوارزمية؟

والإجابة التي تقدمها الدراسات حتى الآن ليست نعم أو لا. فالذكاء الاصطناعي يستطيع بالفعل أن يقلل بعض الأخطاء، لكنه يستطيع أيضا أن يصنع أخطاء جديدة، خصوصا عندما نثق به أكثر مما ينبغي.

ليس كل ذكاء اصطناعي طبيبا إلكترونيا

قبل مناقشة فوائده ومخاطره، من الضروري التخلص من فكرة شائعة: الذكاء الاصطناعي الطبي ليس تقنية واحدة. هناك أنظمة متخصصة جدا، دُرّبت مثلا على اكتشاف سرطان الثدي في صور الماموغرام، أو التعرف على اعتلال الشبكية السكري، أو تحديد السلائل أثناء تنظير القولون. هذه الأنظمة لا تحاول أن تكون طبيبا عاما، وإنما تنفذ مهمة محددة يمكن قياس دقتها واختبارها سريريا.

وفي المقابل، هناك النماذج اللغوية الكبيرة والذكاء الاصطناعي التوليدي، القادر على قراءة النصوص والصور، الإجابة عن الأسئلة الطبية، اقتراح التشخيصات وتلخيص ملفات المرضى. وهي أكثر مرونة، لكنها كذلك أكثر عرضة لإنتاج معلومات غير صحيحة أو ناقصة أو مختلقة.

وقد حذرت منظمة الصحة العالمية من هذه المخاطر، مشيرة إلى أن النماذج التوليدية قد تنتج معلومات خاطئة أو متحيزة أو غير مكتملة، رغم تقديمها بلغة شديدة الإقناع. وهذا الفرق بالغ الأهمية؛ فنجاح خوارزمية في اكتشاف ورم داخل صورة لا يعني أن روبوت محادثة أصبح قادرا على ممارسة الطب بأمان.

أين أثبت الذكاء الاصطناعي فائدته بالفعل؟

أفضل الأدلة حتى الآن تأتي من المجالات التي تكون فيها المهمة واضحة ومحددة. ومن أبرز الأمثلة فحص سرطان الثدي. ففي تجربة MASAI السويدية العشوائية، التي شملت أكثر من 105 آلاف امرأة، أدى استخدام الذكاء الاصطناعي إلى اكتشاف نحو 6.4 حالات سرطان لكل ألف امرأة خضعن للفحص، مقابل 5 حالات لكل ألف باستخدام القراءة التقليدية، مع خفض عبء قراءة صور الماموغرام على أطباء الأشعة بنحو 44%. ولم تحدث زيادة مهمة في النتائج الإيجابية الكاذبة.

والأكثر أهمية أن المتابعة المنشورة عام 2026 وجدت أن الفحص المدعوم بالذكاء الاصطناعي حقق حساسية بلغت 80.5% مقابل 73.8% بالطريقة التقليدية، مع مستوى مماثل تقريبا من النوعية، ولم يكن معدل السرطانات التي ظهرت بين جولتيْ الفحص أسوأ من الطريقة التقليدية.

لدينا نتائج مشجعة أيضا في تنظير القولون. فقد جمعت مراجعة منهجية 28 تجربة عشوائية شملت 23.861 مشاركا، ووجدت أن استخدام أنظمة الكشف بمساعدة الذكاء الاصطناعي رفع معدل اكتشاف الأورام الغدية بنحو 20%، وخفّض معدل الأورام الغدية التي يتم تفويتها بنسبة تقارب 55%.

وفي طب العيون، أثبت نظام مستقل للكشف عن اعتلال الشبكية السكري حساسية بلغت 87.2% ونوعية بلغت 90.7% في تجربة مستقبلية، مما سمح باستخدام مثل هذه التقنية في الرعاية الأولية من دون الحاجة إلى وجود اختصاصي شبكية في المكان نفسه.

هذه الأمثلة تكشف أين يكون الذكاء الاصطناعي في أفضل حالاته: مهمة محددة، بيانات واضحة، نتيجة يمكن التحقق منها، ونظام خضع لاختبار سريري قبل اعتماده.

الخوارزمية ليست طبيبا

ازدادت الإثارة حول الذكاء الاصطناعي عندما بدأت النماذج اللغوية تحقق نتائج عالية في الاختبارات والأسئلة الطبية. لكن حل سؤال طبي مكتوب يختلف جذريا عن التعامل مع مريض حقيقي. فالطبيب لا يتلقى عادة جميع المعلومات الضرورية مرتبة في فقرة أنيقة. عليه أن يعرف ماذا يسأل، وأي معلومة مهمة، وأي تحليل يطلب، ومتى يستبعد تشخيصا خطيرا، وكيف يوازن بين أمراض متعددة وأدوية مختلفة وظروف اجتماعية ونفسية لا تظهر في نتيجة تحليل الدم.

وفي دراسة نشرتها مجلة نيتشر ميديسن (Nature Medicine)، اختبر الباحثون نماذج لغوية متقدمة باستخدام 2400 حالة مأخوذة من بيانات مرضى حقيقيين. ورغم قدرات هذه النماذج، فقد كانت أقل دقة من الأطباء في عدد من المهام السريرية، ولم تلتزم دائما بإرشادات التشخيص والعلاج، كما تأثرت نتائجها بطريقة ترتيب المعلومات وكمية البيانات المقدمة إليها.

وخلص الباحثون إلى أنها ليست جاهزة حاليا لاتخاذ القرارات السريرية بصورة مستقلة. وهنا تظهر مشكلة أساسية: النموذج قد يعرف الكثير، لكنه لا يفهم المريض بالطريقة التي يفهمه بها الطبيب.

عندما تكون الإجابة الخاطئة مقنعة

الخطأ البشري غالبا ما يأتي مصحوبا بدرجة من التردد: "لست متأكدا"، "نحتاج إلى تحليل آخر"، أو "يجب استشارة اختصاصي". أما نموذج الذكاء الاصطناعي فقد يقدم معلومة خاطئة بلغة منظمة وواثقة للغاية. ويطلق عادة على اختلاق النموذج للمعلومات غير الموجودة اسم "الهلوسة".

وقد وثقت الأبحاث قدرة النماذج اللغوية على إنتاج حقائق ومراجع وتفسيرات غير صحيحة رغم الصياغة المقنعة للإجابة. في الاستخدام العادي قد يكون ذلك مزعجا، لكن في الطب يمكن أن تكون العواقب مختلفة تماما. اقتراح جرعة دواء غير صحيحة، أو إهمال تشخيص خطير، أو اعتبار تفاعل دوائي آمنا عندما لا يكون كذلك، ليست مجرد معلومة غير دقيقة. ولهذا فإن المشكلة لا تتعلق فقط بمعدل الخطأ، بل أيضا بطبيعة الخطأ ومدى قدرة الإنسان على اكتشافه قبل وصوله إلى المريض.

خطأ الذكاء الاصطناعي.. هل سيصححه الطبيب؟

قد يبدو الحل للوهلة الأولى بسيطا: يقدّم الذكاء الاصطناعي اقتراحاته، بينما يحتفظ الطبيب بالكلمة الأخيرة. لكن الواقع أكثر تعقيدا مما يبدو، بسبب طبيعة النفس البشرية. فمع تكرار نجاح النظام واعتماد الأطباء على توصياته، قد يميلون تدريجيا إلى الوثوق بها أكثر من اللازم، حتى عندما تستدعي الحالة مراجعتها أو التشكيك فيها. ويُعرف هذا الميل في علم النفس باسم انحياز الأتمتة (Automation Bias).

وقد ظهرت هذه المشكلة بوضوح في تجربة شملت 27 طبيب أشعة قرؤوا صور ماموغرام بمساعدة نظام قُدّم لهم باعتباره ذكاء اصطناعيا. عندما كانت توصيات النظام صحيحة تحسن الأداء، لكن عندما أعطيت لهم عمدا توصيات خاطئة تأثر الأطباء بها تأثرا واضحا، بمن فيهم أصحاب الخبرة الطويلة. وكان الأطباء الأقل خبرة أكثر قابلية للتأثر بالتوصيات الخاطئة.

وهنا ينشأ نوع جديد من الأخطاء الطبية: الطبيب كان يستطيع الوصول إلى الإجابة الصحيحة، لكن الخوارزمية أقنعته بالعدول عنها. ومن المفارقات أن تحسين دقة الذكاء الاصطناعي قد يجعل هذه المشكلة أحيانا أكثر تعقيدا؛ فكلما اعتاد الطبيب أن تكون الآلة صحيحة، أصبح اكتشاف الخطأ النادر أصعب.

تجربة مثيرة

من أكثر النتائج إثارة للاهتمام تجربة عشوائية نُشرت في مجلة جاما نتورك أوبن (JAMA Network Open) وشارك فيها 50 طبيبا. حصل نصف الأطباء على أدوات البحث الطبي التقليدية، بينما حصل النصف الآخر عليها إضافة إلى ChatGPT4. بلغت نتيجة التفكير التشخيصي 76% لدى المجموعة التي استخدمت الذكاء الاصطناعي مقابل 74% لدى المجموعة الأخرى، ولم يكن الفرق ذا دلالة إحصائية.

والأكثر إثارة أن ChatGPT4 عندما حل الحالات وحده سجل نتيجة أعلى من مجموعتي الأطباء في هذا الاختبار. هذه النتيجة لا تعني أن النموذج أفضل من الطبيب في ممارسة الطب، فالدراسة استخدمت عددا محدودا من الحالات المكتوبة ولم تختبر التعامل مع المرضى الحقيقيين. لكنها تكشف مشكلة مختلفة: وجود أداة قوية لا يعني أن البشر يعرفون.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من خبرني

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من خبرني

منذ 7 ساعات
منذ ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 26 دقيقة
منذ ساعة
منذ 34 دقيقة
خبرني منذ 11 ساعة
خبرني منذ 23 ساعة
صحيفة الرأي الأردنية منذ 6 ساعات
خبرني منذ 23 ساعة
خبرني منذ 7 ساعات
خبرني منذ 19 ساعة
خبرني منذ 13 ساعة
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 21 ساعة