لا يحتاج أكثر مقاييس أزمة الطاقة العالمية وضوحاً إلى مزيد من البراميل كي يتحسن؛ يكفي أن تعود الناقلات إلى الإبحار عبر مضيق هرمز بثقة أكبر، لكن الوقود الذي يُشغّل الشاحنات، والمزارع، والمصانع، لا يتحسن بالسرعة نفسها.
تعافت صادرات النفط الخليجية بقوة مع استعادة المنتجين تشغيل خطوط الأنابيب وتوسيع استخدام محطات التصدير الواقعة خارج المضيق المتنازع عليه. ويقدّر بنك «غولدمان ساكس» إجمالي الصادرات الخليجية، بما في ذلك الشحنات التي لا تحمل أجهزة تتبع للموقع، بنحو 23.3 مليون برميل يوميًا خلال الأسبوع الماضي، وهو مستوى يقترب من متوسط عام 2025.
الديزل يشتعل في أميركا.. هامش التكرير يقفز إلى 102 دولار
وفي تقدير أكثر تحفظاً، يضع «جيه بي مورغان» متوسط الصادرات خلال 10 أيام عند 20.5 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 89% من مستوى العام الماضي. كما تُظهر بيانات «كبلر» ارتفاع صادرات الخام من كبار منتجي الشرق الأوسط إلى 16.3 مليون برميل يومياً في سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران في فبراير، لكنه لا يزال أقل بنحو 3.2 مليون برميل يوميًا من مستويات ما قبل الحرب.
هذا لا يكفي لإنهاء أزمة الطاقة، فالنقص الأكثر حدة انتقل إلى المنتجات الوسطى التي تخرج من المصفاة بعد الخام: الديزل وزيت الغاز، وهي ما يُشغّل شاحنات الشحن، والحصادات، ومعدات البناء، والمناجم، ومولدات الطوارئ.
للتبسيط، تخيل مصفاة تعمل بكامل طاقتها: مهما وصل مزيد من الخام إلى ميناء التصدير، لن يتحول إلى ديزل إضافي ما لم تتوافر طاقة تكرير فائضة تستوعبه. هذا بالضبط ما يحدث الآن؛ الخام يتوافر، لكن قدرة تحويله إلى وقود صناعي قابل للاستخدام لا تزال شحيحة.
روسيا تمدد حظر تصدير الديزل حتى نهاية أكتوبر
أزمة تكرير متخفية في هيئة أزمة نفط
حربان تضغطان على هذه القدرة في آن واحد. النزاع مع إيران عطّل التكرير في الشرق الأوسط وصادرات المنتجات حتى مع بدء تعافي شحنات الخام، بينما ألحقت الحرب في أوكرانيا أضراراً بالمصافي الروسية ودفعت موسكو لحماية سوقها المحلية. تقديرات صناعية نقلتها "رويترز"، هذا الشهر، أشارت إلى أن المنطقتين تفتقدان مجتمعتين نحو 4 ملايين برميل يومياً من الديزل والمنتجات الأخرى مقارنة بالمعدل الطبيعي، نحو 2 مليون من روسيا، ومثلها من الشرق الأوسط.
مدّدت روسيا، أمس الأربعاء، حظر تصدير الديزل حتى نهاية أكتوبر لاستقرار سوقها المحلية خلال موسم الحصاد المكثف الاستهلاك للوقود. وبلغ الاختلال حداً جعل روسيا تستورد وقوداً من الهند، أحد أكبر مشتري خامها.
تجاوز هامش تكرير الديزل (الفارق بين سعر الخام والديزل المكرر) 100 دولار للبرميل في أجزاء من أوروبا وأميركا، وبلغ رقماً قياسياً عند 104.08 دولار في جنوب أوروبا هذا الشهر، ما جعل الديزل بالجملة يساوي تقريباً ضعف سعر الخام.
سفن تجارية وناقلات نفط تستعد لعبور مضيق هرمز، يوم 17 يونيو 2026.
معضلة أميركا مع الديزل
ارتفعت صادرات الديزل الأميركية أكثر من 20% عن مستويات 2025 إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً وفق منصة «كبلر»، لتغطي جزءاً من فجوة روسيا والشرق الأوسط. لكن هذا ترافق مع تآكل المخزونات المحلية، إذ تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية هبوط مخزونات المقطرات دون 100 مليون برميل في سبتمبر، وبقاءها دون المعدل الموسمي لخمس سنوات حتى نهاية 2026 ومعظم 2027، وهي أدنى مستوياتها لهذا التوقيت من العام منذ أكثر من 4 عقود وفق تحليل رويترز.
قفز سعر الديزل بالتجزئة إلى نحو 6.50 دولار للغالون، أعلى بنحو 70% من مستواه قبل حرب إيران، ما حوّل المشكلة إلى أزمة سياسية داخلية قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي. لذلك، تدرس إدارة الرئيس دونالد ترامب خيارات تشمل توسيع استخدام الديزل المدعوم ضريبياً وإعفاءات تنظيمية،وفرض قيود على التصدير. مثل هذا القيد قد يراكم الديزل محلياً في مناطق تفتقر لربط نقل داخلي كافٍ، ويقلّص هوامش التكرير فتُعالج المصافي كميات خام أقل، ما ينقل الشح إلى الحلفاء وأميركا اللاتينية ويقوّض موقع واشنطن كمورّد بديل موثوق عن روسيا.
إلا أن خيار حظر صادرات الديزال أثار قلق الحلفاء الأوروبيين، فقد حثّت المفوضية الأوروبية (European Commission) البيت الأبيض على الحفاظ على «التدفق الحر» للديزل، في وضع أصبحت فيه أوروبا معتمدة على أميركا كأكبر مورّد خارجي بعد قيود الطاقة الروسية.
من محطة الوقود إلى رفّ الخضراوات
تبدو الزراعة من أوائل القطاعات المتأثرة، لأن الحصاد لا يمكن تأجيله. بلغ متوسط سعر الديزل الأميركي 6.29 دولارات للغالون منتصف سبتمبر، بارتفاع 68% عن 3.74 دولارات قبل عام، قدّر مزارع في ولاية ساوث داكوتا أن تعبئة حصادة واحدة بالوقود قد تكلف 1,500 دولار يومياً، أي ضعف العام الماضي. وتنتقل هذه الكلفة عبر سلسلة التوريد، فأسعار نقل المحاصيل من أجزاء من كاليفورنيا ارتفعت بين 40% و120% خلال عام، بينما يضطر سائقو الشاحنات المستقلون، غالباً، لدفع الوقود قبل استرداده عبر رسوم تعاقدية.
الآلية نفسها تنطبق على التعدين والبناء، إذ يُشغّل الديزل الحفارات ومعدات الحفر والمولدات في مواقع قد لا تصلها شبكة الكهرباء. تجاوزت أسعار الديزل في بريطانيا الرقم القياسي المسجل بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 2022.
أميركا تحث أوروبا على السحب من مخزونات الديزل لخفض الأسعار
الحكومات تلجأ إلى مخزوناتها
أعلنت واشنطن هذا الأسبوع تقديم قروض بحد أقصى 40 مليون برميل من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي لشركات الطاقة، مكمّلة الحصة الأميركية من الإفراج عن 400 مليون برميل اتُّفق عليه مع نحو 30 عضواً في الوكالة الدولية للطاقة بعد بدء حرب إيران.
لكن هذا الاحتياطي خام أساساً، وتأثيره على الديزل محدود ما دامت المصافي تعمل قرب كامل طاقتها. تراجع الاحتياطي الأميركي دون 284 مليون برميل، الأدنى منذ 1982، وستُقرض البراميل الجديدة لا تُباع، على أن تسدد الشركات، بحلول أواخر 2028، بعلاوة تصل إلى 24%؛ ورغم ذلك لم تقترض الشركات من عرض سابق سوى نحو 500 ألف برميل، ما يوضح أن الوصول للخام ليس القيد الفعلي.
أمام هذا الوضع الحرج للاقتصاد، طلب البيت الأبيض من الحكومات الأوروبية سحب مخزونات الديزل الطارئة. لكن مساحة التحرك الأوروبية متفاوتة. فمخزونات محور أمستردام-روتردام-أنتويرب كانت أدنى بنسبة 16% من متوسط 5 سنوات في يوليو.
و رغم تعافي الصادرات الخليجية ومايعنيه ذلك من تقليص احتمال نقص مطلق في الخام، إلا أنه لا يحل الاختناقات التي تحدد ما إذا كان ذلك الخام سيتحول إلى ديزل في السوق المناسب وفي التوقيت المناسب.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس


