تشهد العلاقات الثنائية بين المملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية وثبة تاريخية ونقلة نوعية للتعاون نحو نموذج شراكة استراتيجية شاملة وعميقة. وتنطلق هذه الشراكة الراسخة من أواصر حضارية وتاريخية ودينية وثقافية متجذرة تجعل البلدين الشقيقين كأنهما شعب واحد في دولتين؛ وهي عرى وثقى تزداد اليوم رسوخاً بفضل دينامية عالية ومتصاعدة قوامها التضامن والعمل المشترك.
والأكثر تجسيداً لعمق هذه الرابطة أنها تتوطد وتنمو رغم محاولات خلق التوتر بين البلدين، ورغم عدم تجانس موقف موريتانيا تماماً مع مقترح الحكم الذاتي، إذ تتفوق إرادة البناء والمصير المشترك على كل التباينات الظرفية والتشويشات الإقليمية. وبناءً على ذلك، لم تعد هذه الروابط حبيسة التبادل التجاري المعتاد، بل امتدت لتنسج شبكة واسعة من الشراكات الحيوية والاستراتيجية، بما يعيد هندسة خارطة التكامل بين البلدين ولصالح إفريقيا وخاصة غربها.
أولاً: ركائز التعاون التنموي
تستند هذه الشراكة المتصاعدة إلى رصيد راسخ من الإنجازات الملموسة التي تحققت بفضل الاستثمارات الناجحة في قطاعات حيوية؛ كالبنوك والاتصالات والتكوين المهني. لتنتقل دائرة أوسع من الشراكات والاستثمارات والتبادل.
1. مبادرات التكامل الاقتصادي والربط:
الشراكة الصناعية: يهدف مشروع المنطقة الصناعية المشتركة الجديدة في موريتانيا إلى بناء سلاسل إنتاج مشتركة عابرة للحدود، مع منح الشركات المغربية أولوية الاستثمار وحقوقاً مماثلة للشركات الموريتانية، مما يعزز حضور رأس المال والخبرة المغربية ويمنح نواكشوط شريكاً بخبرة صناعية وولوجية متقدمة.
التعاون المعدني: يمثل قطاع التعدين ركيزة أساسية أخرى للتعاون الثنائي، في ظل ما تتوفر عليه موريتانيا من ثروات معدنية وازنة، إلى جانب الخبرة المغربية الواسعة في مجالات الاستكشاف، واستغلال وتثمين المعادن، وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها. يفتح هذا التكامل آفاقاً واسعة لإحداث مشاريع تعدينية مشتركة تنقل القيمة المضافة مباشرة إلى اقتصاد البلدين.
الربط الطرقي: لتعزيز اللوجستيك وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، يشهد قطاع البنية التحتية الطرقية قفزة نوعية توجت بتوقيع اتفاقية بين البلدين لتهيئة محور طرقي حيوي بين العاصمة نواكشوط ونواذيبو. ويهدف هذا المشروع الضخم إلى جعل المبادلات التجارية أكثر سلاسة، بما يحول الحدود المشتركة إلى ممر فعال يدعم الاندماج الإقليمي نحو دول غرب إفريقيا.
الربط الجوي: تتكامل البنية اللوجستية للبلدين عبر إطلاق وتفعيل اتفاقيات متقدمة لتعزيز الربط الجوي وتطوير الخطوط الجوية البينية، مما يعزز الترابط الديني والإنساني والسياحي والاقتصادي المتنامي بين الشعبين الشقيقين.
الربط الكهربائي: يجسد هذا المشروع التعاون المستمر بين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب في المغرب والشركة الموريتانية للكهرباء («صوكلع»). ويهدف هذا التعاون الطاقي إلى تعزيز الأمن الطاقي للبلدين، وتشكيل نواة أساسية لشبكة ربط إقليمية أوسع في غرب إفريقيا.
التعاون العلمي والثقافي: يمتد التكامل ليشمل الجانب البشري والمعرفي من خلال تعزيز التبادل الطلابي، وتوسيع قاعدة المنح الدراسية التي يقدمها المغرب للطلاب الموريتانيين في الجامعات والمعاهد العليا ومراكز التكوين المهني. يسهم هذا التعاون في بناء جيل من الكفاءات المشتركة القادرة على مواكبة التحولات التنموية للبلدين، فضلاً عن ترسيخ الروابط الثقافية والعلمية.
2. قطاعات واعدة جديدة:
الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر: يمتلك البلدان مؤهلات استثنائية وموقعاً جغرافياً استراتيجياً لتطوير الطاقات النظيفة؛ حيث تفتح آفاق واعدة لتنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، بما يواكب التحول الطاقي العالمي ويجعل من البلدين قطبين محوريين لتزويد الأسواق الإقليمية والدولية بالطاقة المستدامة.
الاقتصاد الأزرق والصيد البحري: يشكل الاقتصاد الأزرق رافعة أساسية للتنمية المندمجة، مستفيداً من الثروات البحرية الكبيرة التي تزخر بها موريتانيا والخبرة المغربية الرائدة في تدبير وتهيئة الموانئ، والبحث العلمي البحري، وتطوير صناعة وتثمين المنتجات البحرية، مما يرفع من تنافسية القيمة المضافة لقطاع الصيد البحري والاقتصادات البحرية للبلدين.
القطاع الفلاحي: تشهد العلاقات الثنائية ديناميكية متصاعدة مع لجوء عدد من الفلاحين والمستثمرين المغاربة لنقل أو توسيع أنشطتهم الفلاحية نحو الأراضي الموريتانية. يأتي ذلك مدعوماً بتسهيلات وحوافز حكومية موريتانية لتوفير الأراضي والدعم اللازم، مما يسهم في خلق إنتاج زراعي تكاملي يلبي احتياجات أسواق البلدين.
ثانياً: البعد الاستراتيجي للشراكة الثنائية
على مستوى الأفق الاستراتيجي والجيوسياسي، تتجاوز هذه الشراكة الأفق القطاعي البحت إلى رؤية شمولية تستهدف تنويع الاقتصاد، وترسيخ الاندماج الأطلسي، وتحصين المجال الإقليمي؛ وهو ما تترجمه المحاور الاستراتيجية الكبرى الآتية:
تنويع الاقتصاد الموريتاني: تأتي هذه الشراكة في وقت تسعى فيه موريتانيا إلى تنويع نسيجها الاقتصادي وتقليل الاعتماد الحصري على تصدير المواد الخام الأساسية، في ظل تركز صادراتها التقليدية على الذهب، خام الحديد، والمنتجات البحرية. ويستفيد هذا التكامل من الخبرة الوازنة التي يمتلكها المغرب في تدبير المناطق الصناعية والموانئ الكبرى.
بوابة نحو إفريقيا وأوروبا: لا تقتصر هذه المنظومة على الإنتاج المحلي داخل موريتانيا، بل تستهدف الوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر البوابة المغربية، والانفتاح على الساحل وغرب إفريقيا عبر سلاسل قيمة مشتركة في الصناعة والتعدين والطاقة. ويندرج هذا التوجه ضمن رؤية أطلسية أوسع تربط فضاء المتوسط بالأطلسي، وتمنح موريتانيا موقعاً استراتيجياً وبوابة نحو الساحل وغرب إفريقيا، متكاملة مع المبادرات الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وكذا مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي.
التنسيق الأمني والاستراتيجي: في ظل التحديات الإقليمية المعقدة، يشكل التنسيق الأمني والعسكري المتبادل بين البلدين حصناً منيعاً للاستقرار. يرتكز هذا التعاون على تبادل الخبرات، وتأمين الحدود المشتركة، ومحاربة الجريمة المنظمة، مما يعزز مناعة البلدين في مواجهة التهديدات والمخاطر المشتركة.
البعد الإقليمي الدولي في ظل الأزمات المركبة: في خضم الأزمات الدولية المركبة التي يشهدها العالم، يمثل البلدان نموذجاً حياً للاستقرار والشراكة الموثوقة؛ وهو ما يلبي تطلعات الشريك الأوروبي الساعي نحو فضاء جنوب المتوسط لتعزيز علاقاته الاستراتيجية وضمان استقرار واستدامة موارد الطاقة والاقتصادات الإقليمية.
إن هذه الدينامية الثنائية المتسارعة بين المغرب وموريتانيا تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن التكامل الثنائي غدا واقعاً ملموساً وضرورة حتمية، ويؤسس لقطب تنموي وأطلسي متفرد يربط العمق الإفريقي بالفضاء الأورو-متوسطي والدولي.
ويبقى الرهان الأكبر معقوداً أولاً على المؤسسات الرسمية في البلدين لترسيخ هذا المسار بحكامة جيدة تضمن حسن تنزيل المشاريع المتفق عليها من حيث الجودة والكلفة والآجال، ومحاربة كل أشكال التعالي أو التنافر، والتلكؤ في التنفيذ والتواصل من أي طرف كان.
وهو معقود ثانياً على يقظة وانخراط فاعل لمختلف القوى الحية والنخب الدينية والعلمية والسياسية والمهنية والاجتماعية والإعلامية في البلدين. فهذه الفعاليات الوطنية والمدنية مطالبة بتعزيز جسور التواصل المستمر وترسيخ ثقافة الأخوة، تصديّاً للأصوات النشاز ومحاولات التشويش الرامية إلى تأجيج الخلافات البينية وافتعال التوترات.
هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح
