لم يعد التحدي أمام مايكروسوفت إثبات قدرتها على مواكبة الذكاء الاصطناعي، بل تحويل هذه التقنية إلى محرك اقتصادي واسع النطاق يعيد تشكيل نموذج أعمال الشركة، كما فعلت السحابة قبل سنوات.
فبعدما نجح ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت»، في نقل الشركة من شركة برمجيات تقليدية إلى إحدى أكبر قوى الحوسبة السحابية في العالم، يجد نفسه اليوم أمام اختبار أكثر تعقيداً.
فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول بيع البرمجيات أو تأجير البنية السحابية، بل حول النماذج الذكية، والوكلاء الرقميين، وطريقة احتساب قيمة الاستخدام.
ويأتي ذلك في وقت تقترب فيه القيمة السوقية لمايكروسوفت من 4 تريليونات دولار، وفقاً لـ«بارونز»، لكنها لم تفرض نفسها بعد كقائد واضح لموجة الذكاء الاصطناعي، في ظل تفوق إنفيديا في الرقائق، وامتلاك أوبن إيه آي وأنثروبيك نماذج متقدمة، وصعود غوغل وميتا في التطبيقات والبنية التقنية.
«مايكروسوفت» تتخلى عن سباق روبوتات الذكاء الاصطناعي الشخصية
ناديلا غيّر مايكروسوفت مرة
عندما تولى ناديلا منصب الرئيس التنفيذي في 2014، كانت مايكروسوفت تواجه أزمة صورة ونمو. فقد بدت الشركة، في ذلك الوقت، كعملاق برمجيات مهدد بفقدان موقعه أمام الهواتف الذكية والسحابة وشركات الإنترنت الأسرع حركة.
اختار ناديلا تغيير النموذج بدل الدفاع عن الماضي. دفع الشركة من تراخيص أوفيس التقليدية إلى الاشتراكات، وجعل أزور محوراً للنمو، وفتح منتجات مايكروسوفت على أنظمة ومنصات منافسة، بعدما كانت الشركة أكثر انغلاقاً في مراحل سابقة.
كما ساعدت صفقات مثل الاستحواذ على موجانغ، ولينكدإن، وغيت هب، في توسيع حضور الشركة خارج ويندوز وأوفيس. ونتيجة لذلك، ارتفع سهم مايكروسوفت بأكثر من 14 ضعفاً منذ تولي ناديلا القيادة، وفقاً لبيانات السوق.
لكن الذكاء الاصطناعي يفرض تغييراً من نوع آخر. فالشركة لا تحتاج فقط إلى منتج ناجح جديد، بل إلى إعادة صياغة الطريقة التي تحقق بها الإيرادات من البرمجيات والخدمات السحابية.
«أنثروبيك» و«مايكروسوفت» تفوزان بعقود مراكز بيانات بـ87.5 مليار دولار
من الاشتراك إلى اقتصاد الاستخدام
اعتمدت أعمال مايكروسوفت المؤسسية لسنوات على الاشتراكات، خصوصاً من خلال مايكروسوفت 365. ووفقاً لتقارير تقنية ومالية، تضم حزمة مايكروسوفت 365 مئات الملايين من المستخدمين التجاريين، فيما تبيع الشركة «كوبيلوت» كإضافة مدفوعة على الاشتراك الأساسي.
لكن طبيعة الذكاء الاصطناعي تجعل نموذج السعر الثابت أكثر تعقيداً. فتكلفة تشغيل النماذج لا ترتبط فقط بعدد المستخدمين، بل بحجم الاستعلامات، وطول المهام، ونوع النموذج المستخدم، وكمية الحوسبة المطلوبة.
لهذا تتحرك مايكروسوفت تدريجياً نحو نموذج الفوترة القائم على الاستخدام. ووفقاً لمايكروسوفت، تعمل الشركة على أدوات لإدارة كلفة النماذج والوكلاء بين اشتراكات المستخدمين والفوترة حسب الاستخدام، بما يسمح للشركات بقياس العائد والتحكم في الإنفاق.
اقتصادياً، قد يمنح هذا النموذج مايكروسوفت فرصة لرفع الإيرادات إذا تحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام يومي ومتكرر داخل الشركات. لكنه يحمل في المقابل خطراً تجارياً، لأن العملاء قد يترددون إذا شعروا أن الفاتورة مفتوحة أو يصعب توقعها.
15 ساعة فقط شهرياً.. مايكروسوفت تعيد تسعير الألعاب السحابية
كوبيلوت لم يحسم المعركة بعد
رغم ضخامة استثمارات مايكروسوفت، لم يتحول «كوبيلوت» بعد إلى المنتج الحاسم الذي يثبت نجاح إستراتيجية الشركة في الذكاء الاصطناعي.
فالمنتج موجود داخل تطبيقات يستخدمها ملايين الموظفين يومياً، مثل وورد وإكسل وتيمز وأوتلوك، وهذه ميزة ضخمة لمايكروسوفت. لكن تحويل هذا الوجود إلى استخدام فعلي مدفوع على نطاق واسع لا يزال اختباراً مفتوحاً.
وتواجه الشركة منافسة متزايدة من أوبن إيه آي وأنثروبيك وغوغل وميتا، فيما بدأت شركات النماذج نفسها الدخول إلى مجالات مؤسسية مثل خدمة العملاء، والأمن السيبراني، وأدوات المطورين، وهي أسواق تمتلك فيها مايكروسوفت حضوراً قوياً.
كما تعرض «غيت هب كوبيلوت» لضغوط من أدوات برمجية منافسة مثل «كورسر» و«كلود كود». ورغم ذلك، تشير بيانات الشركة وتقارير تقنية إلى أن استخدام «غيت هب كوبيلوت» واصل النمو، مع استفادة مايكروسوفت من قاعدة غيت هب الضخمة بين المطورين.
«رويترز»: «مايكروسوفت» تتراجع في الصين... ورهانها على الذكاء الاصطناعي
أوبن إيه آي لم تعد الضمانة الوحيدة
كان استثمار مايكروسوفت المبكر في أوبن إيه آي أحد أهم رهانات ناديلا. فقد منحت الشراكة الشركة موقعاً متقدماً في موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي، خصوصاً بعد إطلاق «تشات جي بي تي» وانتقال تقنيات أوبن إيه آي إلى منتجات مايكروسوفت.
لكن هذه العلاقة لم تعد وحدها كافية لضمان التفوق. فقد توسعت أوبن إيه آي في شراكات حوسبة أخرى، ولم تعد مايكروسوفت في الموقع نفسه الذي تمتعت به في المراحل الأولى من العلاقة.
ووفقاً لتقارير صحفية، فقدت مايكروسوفت صفة المزود السحابي الحصري لأوبن إيه آي، كما أصبح ترخيص بعض حقوق الملكية الفكرية أقل حصرية من السابق. ومع ذلك، تؤكد مايكروسوفت أنها لا تزال الشريك السحابي الرئيسي لأوبن إيه آي.
في الوقت نفسه، عيّن ناديلا مصطفى سليمان في 2024 لقيادة جهود الذكاء الاصطناعي داخل مايكروسوفت، في خطوة تعكس رغبة الشركة في بناء قدرات داخلية وعدم الاكتفاء بالشراكة مع أوبن إيه آي.
الرهان على المنظومة لا النموذج فقط
الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت ساتيا ناديلا خلال مؤتمر "بيلد" في مبنى الشركة في ريدموند بواشنطن، في 21 مايو 2024
يحاول ناديلا تجنب حصر المنافسة في سؤال: من يمتلك أفضل نموذج؟ فهذه المعركة مكلفة وسريعة التغير، وقد لا تكون مناسبة لشركة تعتمد قوتها أساساً على التوزيع المؤسسي والسحابة والبرمجيات.
بدلاً من ذلك، تراهن مايكروسوفت على المنظومة. فهي تملك أزور، ومايكروسوفت 365، وغيت هب، وديناميكس، وتيمز، وعلاقات عميقة مع الشركات والحكومات. وهذه القاعدة تمنحها قدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي من تقنية منفصلة إلى طبقة مدمجة داخل العمل اليومي للمؤسسات.
وفي هذا السياق، تقدم مايكروسوفت «كوبيلوت» بوصفه بوابة يمكن أن تتصل بنماذج مختلفة، من بينها نماذج أوبن إيه آي وأنثروبيك ومايكروسوفت. وهذه الإستراتيجية تسمح لها بالاستفادة من قوة النماذج المنافسة بدل تحمل كامل تكلفة السباق وحدها.
لكن نجاح هذا الرهان يتوقف على قدرة الشركة على إقناع العملاء بأن الذكاء الاصطناعي ليس إضافة تجريبية، بل أداة إنتاجية تستحق دفع مبالغ إضافية مقابلها.
الاختبار الأصعب بدأ الآن
يواجه ناديلا اليوم نسخة أكثر تعقيداً من التحدي الذي واجهه عام 2014. فقد نجح سابقاً في نقل مايكروسوفت من نموذج البرمجيات التقليدية إلى السحابة والاشتراكات، أما الآن فعليه نقلها من اقتصاد الاشتراك إلى اقتصاد يعتمد على الاستخدام والحوسبة والرموز.
وتشير حركة السهم إلى أن المستثمرين لا يمنحون مايكروسوفت تفوقاً كاملاً في سباق الذكاء الاصطناعي. فوفقاً لـ«بارونز»، ارتفع سهم الشركة أخيراً بدعم من تفاؤل المحللين بقدرتها على الاستفادة من الطلب المؤسسي على الذكاء الاصطناعي الآمن، لكن أداء السهم لا يزال يعكس انتظار السوق لإثبات أوضح على العائد التجاري من هذه الاستثمارات.
ومع اقتراب الذكرى الرابعة لانطلاق موجة «تشات جي بي تي»، لا تزال مايكروسوفت تبحث عن المنتج أو النموذج التجاري الذي يجعل الذكاء الاصطناعي بالنسبة لها قصة نمو بحجم السحابة.
فالرهان لم يعد على قدرة ناديلا على تغيير مايكروسوفت فقط، بل على قدرته على تغييرها مرة أخرى، قبل أن تجد الشركة نفسها لاعباً ضخماً في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، من دون أن تكون في مركزه.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

