لم تكن فالتورتا، بحسب تعبيرها، ترى نفسها مؤلفة تكتب رواية تاريخية عن يسوع المسيح، بل كانت تؤمن بأنها "تنقل ما تراه وتسمعه في رؤى وتجليات خاصة"، ومن هنا بدأت القصة

ماريا فالتورتا: لغز امرأة أعادت كتابة حياة المسيح والعذراء مريم والإنجيل بـ "رؤى خارقة للطبيعة" صدر الصورة، Fondazione Erede di Maria Valtorta

"سآتي دائماً، ومن أجلك أنت وحدك، وسيكون الأمر أكثر عذوبة، لأنني سأكون بكليّتي لك... سأحملك إلى علوّ أكبر، إلى الأجواء النقية للتأمل الخالص... وعندئذ لن تتأملي إلا أنا... سأجعلك تنسين العالم في محبتي".

في منتصف القرن الماضي، ظهرت في إيطاليا امرأة لم تكن، على ما يبدو، تسعى إلى الشهرة، لكنها أصبحت واحدة من أكثر الشخصيات جدلاً في تاريخ الكتابات المسيحية الحديثة، رغم كونها عاشت سنوات طويلة تحت وطأة المرض الذي أقعدها عن الحركة وألزمها الفراش، وفي عزلتها الطويلة، بدأت تتشكل أمامها، بحسب قولها، مساحة أخرى أكثر اتساعاً: عالم من المشاهد الدينية والحوارات والشخصيات والأحداث المرتبطة بحياة المسيح وزمنه وبيئته.

ظهرت كتابات ماريا فالتورتا في مساحة شديدة الخصوصية تتأرجح بين التأمل الروحي والسرد الديني، ولا سيما كتابها المعروف باسم "الإنجيل كما أوحي به إليّ"، الذي قدمت فيه رواية مطوّلة لحياة يسوع المسيح، صاغت فيه مشاهد غنية بالتفاصيل والشخصيات والأحداث، لم تقتصر على وقائع إنجيلية فحسب، بل امتدت إلى وصف مدن وقرى وطرق ومنازل وعادات وملابس وأطعمة وعلاقات داخل المجتمع، لترسم صورة نابضة للحياة اليومية في فلسطين زمن المسيح، يعطي القارئ إحساساً بالانتقال إلى عالم القرن الأول الميلادي ومشاهدة أحداثه من خلال سرد شديد التفصيل.

بيد أن هذا العالم الروحي والتاريخي الذي رسمته فالتورتا ظل، منذ نشر كتابها، موضع جدل واسع، ففي حين رأى قراء وباحثون في مادته قيمة روحية وتأملية وأدبية، أثارت تلك التفاصيل الكثيرة، التي تجاوزت ما ترويه الأناجيل المعتمدة عن المسيح، تساؤلات كنسية ولاهوتية وتاريخية حول طبيعة هذه النصوص ومصدرها، ومدى إمكان اعتبارها "رؤى" أو "وحياً خارقاً للطبيعة"، فضلاً عن مدى دقة بعض التفاصيل التاريخية والجغرافية والإنجيلية.

"أسئلة محيّرة" صدر الصورة، Fondazione Erede di Maria Valtorta

لم تكن فالتورتا، بحسب تعبيرها، ترى نفسها مؤلفة تكتب رواية تاريخية عن يسوع المسيح، بل كانت تؤمن بأنها "تنقل ما تراه وتسمعه في رؤى وتجليات خاصة"، ومن هنا بدأت القصة: امرأة تقول إن حياتها انفتحت على مشاهد من فلسطين في القرن الأول، ورأت المسيح والعذراء مريم والرسل وشخصيات أخرى، وسمعت حوارات بينهم، ثم أخذت تدون كل ما تشاهده في دفاترها.

وتجبر طبيعة الكتاب وموضوعه على طرح تساؤلات: هل كانت فالتورتا تنقل ما اعتقدت أنها مشاهد حقيقية رأتها عن حياة المسيح وتعاليمه، أم أننا أمام عمل أدبي وروحي صاغ تصوراً متخيلاً لعالم الإنجيل؟ ومن أين جاءت تلك التفاصيل الدقيقة عن المدن والقرى والعادات والحياة اليومية في زمن يسوع؟ وهل تتوافق بالفعل مع الأناجيل والمصادر التاريخية والأثرية؟ وكيف تعاملت الكنيسة مع هذه الكتابات: أهي رؤى خاصة، أم تأملات دينية، أم نصوص يمكن اعتبارها وحياً؟ وأين يلتقي التاريخ بالأدب، وأين يفترقان؟ وهل يمكن قراءة الكتاب بوصفه تجربة روحية وأدبية جديرة بالتأمل، من دون الخلط بينه وبين نص الإنجيل نفسه؟

يتساءل الأب يوهنان-مريم دي كازيناف في مقدمة دراسة "ماريا فالتورتا: هل هي سيرة حياة خيالية ليسوع؟ L' NIGME VALTORTA:Une vie de J sus romanc e?"، للكاتب والباحث الفرنسي جان فرانسوا لافيير قائلاً: "في حالة ماريا فالتورتا، وبعد قراءة هذه الدراسة المتميزة، يجد العلم، الذي تزداد فاعليته كلما كشف وقائع جديدة ظلت مجهولة لمدة ألفي عام، نفسه لا غارقاً في تعقيدات إبستمولوجية فحسب، بل في مواجهة تناقض حاد مع خبرته الخاصة: كيف استطاعت هذه المرأة البسيطة أن تعرف ما كان مدفوناً منذ ألفي عام، ثم يظهر من جديد بعد نصف قرن من وفاتها؟"

"من هي ماريا فالتورتا؟" صدر الصورة، FONDAZIONE MARIA VALTORTA

وُلدت ماريا فالتورتا، بحسب ما ذكره موقع "مؤسسة تراث ماريا فالتورتا Fondazione Erede di Maria Valtorta" (النسخة الفرنسية)، في 14 مارس/آذار 1897 بمدينة كازيرتا الإيطالية، وكانت الابنة الوحيدة لأسرة تعود أصولها إلى إقليم لومبارديا. كان والدها جوزيبي ضابطاً في سلاح الفرسان، وكانت والدتها إيزيده فيورافانزي، المعلمة السابقة للغة الفرنسية، امرأة شديدة الصرامة، لذا تركت علاقتهما الصعبة أثراً عميقاً في حياة ماريا، بينما أسهم والدها في غرس القيم الإنسانية وحب الطبيعة والفنون فيها.

تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة

الأكثر قراءة نهاية

تخطى البودكاست وواصل القراءة يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وبحكم عمل والدها، تنقلت الأسرة بين كازيرتا وفاينتسا وميلانو وفوجيرا، فنشأت ماريا في بيئات متعددة، وأظهرت منذ طفولتها ذكاءً، وقوة إرادة، وحساسية روحية، إلى جانب انجذاب مبكر نحو المسيح وآلامه، التي كانت تراها تعبيراً عن محبته للبشر، وكانت السنوات الأربع التي قضتها في مدرسة بيانكوني بمدينة مونتسا مرحلة مهمة في تكوينها الثقافي والديني والروحي.

في عام 1913 غادرت المدرسة وانتقلت العائلة إلى فلورنسا، وخلال الحرب العالمية الأولى، عملت ماريا ثمانية عشر شهراً ممرضةً في مستشفى عسكري، كما أن تدخل والدتها في حياتها الشخصية أدى إلى انتهاء خطبتين متتاليتين، فتخلت عن حلم الزواج والأمومة.

وفي عام 1924، استقرت الأسرة نهائياً في فياريجيو بعد أن اشترى والداها منزلاً هناك، ثم في أواخر عام 1929، انضمت ماريا إلى حركة العمل الكاثوليكي، وشاركت في النشاط الرعوي مندوبة للثقافة لدى جمعية الشابات، حيث كانت تقدم التعليم الإنجيلي وتلقي محاضرات عن القديسين والقديسات.

ومع تدهور حالتها الصحية، أصيبت بعجز دائم وشلل تدريجي في أطرافها السفلية، ورغم ذلك واصلت بعض أعمال الخدمة والرعاية، ثم اتخذت، بحسب سيرتها الذاتية، قراراً بتقديم ذاتها "ذبيحة للحب والعدل الإلهيين".

وفي عام 1933 غادرت منزلها للمرة الأخيرة، لتدخل مرحلة العزلة التي ستلازمها حتى نهاية حياتها، وبحلول عيد القيامة عام 1934، أصبحت عاجزة تماماً عن مغادرة فراشها.

وفي أوائل عام 1943، وبطلب من مرشدها الروحي الأب روموالدو م. ميليوريني، بدأت ماريا كتابة سيرتها الذاتية، وخلال فترة وجيزة ملأت سبعة دفاتر، ضمت 761 صفحة سجلت فيها تفاصيل حياتها، بما فيها ما اعتبرته جوانب الخير والشر فيها.

صدر الصورة، Social Media

بيد أن التحول الأبرز جاء في العام نفسه، يوم "الجمعة العظيمة" من عام 1943، عندما بدأت، بحسب قولها، تتلقى ما وصفته بـ "إملاءات" ذات مصدر خارق للطبيعة، ومنذ ذلك الوقت، واصلت الكتابة وهي ملازمة لفراشها بصورة شبه يومية حتى عام 1947، ثم بصورة متقطعة حتى عام 1951، وخلال تلك السنوات كتبت 122 دفتراً، بلغ مجموع صفحاتها 13193 صفحة، وكانت تقول إنها "لم تكن تعرف مسبقاً ما ستكتبه كل يوم، ولم ترجع إلى مصادر مكتوبة سوى الكتاب المقدس وتعليم البابا بيوس العاشر".

وأثناء الحرب العالمية الثانية، اضطرت ماريا إلى مغادرة فياريجيو والإقامة في سانت أندريا دي كومبيتو بين أبريل/نيسان وديسمبر/كانون الأول 1944، لكنها واصلت الكتابة هناك، وفي عام 1947، يوم عيد ميلادها الخمسين، نسبت إلى المسيح وعداً بمواصلة الحضور معها، وبعد شهر أخبرت أمها الروحية الكرملية، الأم تريزا ماريا للقديس يوسف، بأنها "قدمت حتى عقلها لله".

تخلت ماريا عن السعي للحصول على إذن كنسي لطباعة عملها بعد سنوات من محاولات نشره، لذا قررت، احتراماً لما اعتبرته "إرادة يسوع المسيح" ورغبة في إيصال كتاباتها إلى النفوس، إسناد نشره إلى دار م. بيساني، وفي عام 1952 أُبرم عقد النشر في فياريجيو، وبدأ تعاونها مع ميكيلي بيساني.

وفي صيف 1956، بالتزامن مع صدور المجلد الأول، دخلت حالتها النفسية والجسدية مرحلة من الانعزال والفتور والتأمل، وتراجعت قدرتها على الكلام والتفاعل، وكانت تكتب أحياناً عبارة قصيرة تعبّر عن إيمانها: "يا يسوع، أثق بك".

توفيت ماريا فالتورتا، في عام 1961، عن عمر ناهز 64 عاماً، بعد أن أمضت نحو 27 عاماً ملازمة للفراش، وفي الثاني من يوليو/تموز 1973، نُقلت رفاتها من فياريجيو إلى فلورنسا، حيث دُفنت في كنيسة بالدير الكبير التابع لبازيليكا ومزار البشارة المقدسة، ولا يزال منزلها وقبرها مقصدين لقرّاء كتاباتها، الذين يتركون في سجل الزيارات كلمات امتنان وصلوات وطلبات لما يصفونه بـ "نِعَم خاصة".

"الإنجيل كما أوحي به إليّ" صدر الصورة، Fondazione Erede di Maria Valtorta

يمثل كتاب فالتورتا الموسوعي "الإنجيل كما أوحي به إليّ" العمل الرئيسي في حياتها، وقد صدر في عشرة مجلدات، ويتناول العمل مراحل متتابعة من التاريخ الإنجيلي، بدءاً من مشاهد قبل ميلاد القديسة العذراء مريم وطفولتها، ثم ميلاد يسوع المسيح وطفولته، وصولاً إلى تفاصيل دقيقة للسنوات الثلاث من حياته وخدمته العلنية على الأرض، وهي الجزء الأكبر من الكتاب، ثم أحداث آلامه وصلبه وقيامته وصعوده، وتأسيس الكنيسة الأولى، وأخيراً إصعاد جسد العذراء إلى السماء.

كتبت فالتورتا معظم العمل بين عامي 1944 و1947، بينما تعود بعض الحلقات الأخيرة إلى عام 1951، وتلفت طريقة الكتابة إلى محافظتها على التسلسل الزمني للأحداث، إذ كانت تضطر أحياناً، لأسباب روحية، إلى كتابة حلقة أو أكثر خارج سياق السرد، ثم كان يسوع، بحسب قولها، يحدد لها لاحقاً موضعها الصحيح ويملي عليها المكان الذي ينبغي أن تُدرج فيه.

وتعددت الأسماء التي عُرف بها العمل عبر مراحل نشره، فبحسب مؤسسة تراث ماريا فالتورتا، كان عنوانه الأصلي "إنجيل يسوع كما كُشف ليوحنا الصغير"، ثم ظهر عنوان آخر هو "كلمات الحياة الأبدية"، وهو الاسم الذي كان يُفترض أن يحمله العمل لو تولّت نشره دار أُنشئت خصيصاً لهذا الغرض، ثم عنوان "المأساة الإلهية" بحسب العقد المبرم مع بيساني في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1952.

أما عنوان "قصيدة يسوع" فقد اقترحه أحد المعجبين بالعمل، ووافقت عليه الكاتبة والناشر، فطُبع على المجلد الأول، بيد أن العنوان لم يستمر، بعدما طالبت دار نشر أخرى بحق حصري في استخدامه، إذ كانت قد أطلقت الاسم نفسه على كتاب شعر سبق نشره.

وبناء على ذلك عُدّل العنوان إلى "قصيدة الإنسان-الإله"، وهو الاسم الذي ظهر على الطبعة الأولى، الصادرة في أربع مجلدات باسم مؤلف مجهول، إذ لم تكن فالتورتا ترغب في ذكر اسمها خلال حياتها، واستُخدم العنوان نفسه لاحقاً في الطبعة الجديدة المؤلفة من عشرة مجلدات، وأضيفت إليه عبارة "كتابات ماريا فالتورتا".

أما عنوان "الإنجيل كما أوحي به إليّ"، فقد ارتبط بالنسخة الفرنسية التي ترجمها فيليكس سوفاج، ويقال إن المترجم اشترط ألا تُنشر الترجمة إلا بعنوان ينسجم مع العنوان الإيطالي الأصلي، فجاء العنوان الفرنسي بصيغة المتكلم، مسبوقاً باسم ماريا فالتورتا، بما يوحي بأن الاسم والعنوان يشيران معاً إلى صاحبة العمل، وبمرور الوقت أصبح هذا هو العنوان المعتمد لمختلف طبعات وترجمات العمل، واستقر بوصفه عنوانه النهائي

"لغز التفاصيل الجديدة" صدر الصورة، FONDAZIONE MARIA VALTORTA

على مدار ألفي عام لم تتوقف قصة المسيح يوماً عن إثارة الاهتمام والإعجاب، بل وحتى الفضول، وبالنسبة إلى أنصار كتاب فالتورتا، لا تكمن أهميته في ضخامته فحسب، بل في طبيعة مادته، إذ يحاول أن يقدم سرداً موسعاً لحياة المسيح، ويملأ مساحات واسعة تركتها.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
منذ 10 دقائق
منذ 17 دقيقة
منذ ساعتين
بي بي سي عربي منذ ساعتين
قناة العربية منذ 16 ساعة
سكاي نيوز عربية منذ 4 ساعات
قناة العربية منذ 22 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 6 ساعات
قناة العربية منذ 19 ساعة
قناة العربية منذ 4 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 3 ساعات