اقتصاد الكويت أمام انكماش تاريخي.. الأزمة تختبر صمود الملاءة المالية

تضع توقعات البنك الدولي الاقتصاد الكويتي أمام اختبار استثنائي، لا يرتبط بحجم الانكماش المرتقب فحسب، بل يكشف أيضاً مدى تأثر النمو والإيرادات العامة باضطرابات إنتاج النفط ومسارات تصديره، في ظل تداعيات الحرب على حركة التجارة والطاقة في الخليج.

ويرجح البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي للكويت 14.6% في العام الحالي، بأكبر تراجع منذ أكثر من ثلاثة عقود، قبل انتعاش قوي بـ22% في 2027، مدفوعاً بالتعافي التدريجي لإنتاج الهيدروكربونات وعودة الصادرات إلى مستوياتها الطبيعية.

اختناق الصادرات يفاقم الصدمة

بحسب تقرير البنك عن الاقتصاد الإقليمي، يرتبط الانكماش المتوقع بتضرر البنية التحتية للطاقة ومحدودية مسارات التصدير البديلة، ما اضطر الكويت ودولاً خليجية أخرى إلى العمل عند مستويات تتراوح بين 55% و70% من طاقتها الإنتاجية المقدرة.

وتكشف البيانات أن الصادرات تراجعت بوتيرة تفوق انخفاض الإنتاج، بعدما هبطت حركة ناقلات النفط الخليجية من نحو 1.5 إلى مليوني طن متري يومياً قبل النزاع، إلى نحو 500 ألف طن يومياً أواخر مارس، قبل تعافيها تدريجياً.

وتبرز هذه الفجوة هشاشة الاعتماد على ممرات تصدير محدودة، إذ لا تضمن استعادة الإنتاج تعافياً مماثلاً للإيرادات ما لم تنتظم حركة الشحن.

ثلاث قنوات لتمويل الموازنة.. الكويت تفتح خزنة 1976

ضغوط مالية وتجارية متزامنة

اعتبر المدير الشريك في شركة «نيوبري» للاستشارات، الدكتور عصام الطواري، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن اضطراب الملاحة وصادرات النفط أدى إلى تراجع الإيرادات الحكومية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، مع اضطرار بعض الشحنات إلى استخدام مسارات بديلة عبر غرب الجزيرة العربية والنقل البري.

وأوضح أن ارتفاع تكاليف الواردات والضغط على مخزونات التجار خلقا مزيجاً من الضغوط التضخمية والانكماشية، مقدراً أن التراجع الاقتصادي قد يقترب من 8%، نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية وتباطؤ التجارة.

وأشار الطواري إلى أن الكويت كانت تواجه قبل الأزمة عجزاً متوقعاً في الميزانية يقارب 9 مليارات دينار، أي نحو 25 إلى 29 مليار دولار، ما يعزز أهمية أدوات التمويل في المرحلة الحالية.

وبحسب تقديراته، أتاح تسريع إقرار قانون السيولة والتمويل اقتراض نحو 12 مليار دولار عبر إصدار سندات، فيما يُتوقع طرح صكوك خلال الربع الأول من العام المقبل بعد إقرار قانونها.

الإصلاحات تتجاوز الاقتراض

رغم الملاءة المالية للكويت وقدرة قطاعها المصرفي على امتصاص بعض الضغوط، أكد الطواري أن التمويل وحده لا يكفي لمواجهة التحديات.

ودعا إلى ترشيد الإنفاق العام، وإعادة تأهيل الكوادر الوطنية، ومراجعة الوظائف غير الأساسية، ودمج المؤسسات المتشابهة أو إغلاق بعضها.

كما يشدد على تطوير التشريعات الاقتصادية لجذب الاستثمار الأجنبي، ومراجعة الضرائب على الشركات، وإعادة توجيه دعم الطاقة والغذاء نحو الفئات المستحقة، إلى جانب دراسة رسوم الكهرباء والمياه والأراضي الحكومية المؤجرة للقطاع الخاص.

وبين الانكماش المتوقع والتعافي النفطي المرتقب، يبقى التحدي الأهم أمام الكويت هو تحويل قدرتها المالية إلى إصلاحات تعزز مرونة الاقتصاد وتحد من تعرضه للصدمات الخارجية.

نتائج قوية تعيد اهتمام الأجانب ببنوك الكويت بعد إعادة تموضع

المشاريع الأساسية لن تتوقف

رغم الضغوط، لا يعتقد الطواري أن مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية ستتأثر بصورة جوهرية، خصوصاً تلك المرتبطة بالمطار الجديد والقطاع النفطي، لأنها ذات مردود اقتصادي مباشر وتدعم النمو على المدى المتوسط. لكنه رجّح أن تتعرض مشاريع أخرى للتأجيل أو الترحيل إلى حين استقرار المالية العامة بعد تجاوز التوترات الجيوسياسية.

وأضاف أن عودة حركة الملاحة وتصدير الطاقة إلى وضعهما الطبيعي بعد فتح الممرات البحرية ستعيد تحريك عجلة التجارة والاقتصاد، معتبراً أن الأزمة الحالية قابلة للعبور، لكنها ستدفع الدولة على الأرجح إلى مزيج من تمويل العجز، وخفض المصروفات، وزيادة بعض الرسوم، وتنفيذ إصلاحات هيكلية.

من جهته، قال نائب رئيس مساعد في وحدة بحوث الاستثمار لدى الشركة الكويتية للاستثمار فوزي الظفيري، لـ«إرم بزنس»، إن الاقتصاد الكويتي يتمتع بملاءة مالية عالية ترفع قدرته على تجاوز التحديات الحالية، إلى جانب قطاعات اقتصادية ناضجة، وفي مقدمتها القطاع المصرفي.

وأوضح أن الكويت تملك فرصاً كامنة يمكن استثمارها لتعزيز النشاط والنمو، لكنه أكد أن الحاجة أصبحت أكبر لتنويع الاقتصاد ورفع مساهمة الأنشطة غير النفطية، عبر مبادرات نوعية ومشاريع كبرى تتماشى مع أهداف رؤية الكويت 2035 وتحقق منفعة اقتصادية أكثر استدامة.

مكافحة الفساد في الكويت.. طريق استعادة الثقة بمناخ الأعمال

رسالة الثقة تبدأ من التشريع ثم التنفيذ

ردّاً على سؤال حول الخطوة الأسرع لإعطاء السوق رسالة إيجابية، رأى الظفيري أن تحسين بيئة الأعمال، وتسريع المشاريع، ودعم القطاع الخاص، كلها مسارات مترابطة. لكنه أشار إلى أن ما صدر خلال الفترة الماضية من تنظيمات وتشريعات يعكس جدية الحكومة في الاستمرار بمسار الإصلاح، رغم التحديات التي تواجه المنطقة.

وقال إن التشريعات المرتبطة بقنوات التمويل، والمناقصات، وتقليل الدورة المستندية، وتنظيم بيئة المستثمرين الأجانب، يمكن أن تشكل بداية إيجابية، لكنها تحتاج إلى تنفيذ فعلي على الأرض.

كما أضاف أن تعزيز دور القطاع الخاص، خاصة من خلال نموذج المطور العقاري في القطاع السكني، قد يكون من أهم المسارات العملية خلال المرحلة المقبلة.

ومن زاويةِ رجال الأعمال الكويتيين في الخارج، قال محمد البدر، عضو مجلس الإدارة في مجلس الأعمال الكويتي في دبي والإمارات الشمالية، لـ«إرم بزنس»، إن المرحلة الحالية تجعل مشاركة القطاع الخاص ضرورة، لا خياراً إضافياً، معتبراً أن مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص يجب أن تكون ضمن أولويات الجميع في المرحلة المقبلة.

البرج الذي يضم البنك المركزي الكويتي في مدينة الكويت، 18 مارس 2020

وبالنسبة إلى الخطوة الأسرع لإعطاء المستثمر الكويتي والخليجي رسالة ثقة أكبر بالسوق، اختصرها البدر بتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، بما يحول الضغوط الحالية إلى مدخل عملي لجذب الخبرات ورؤوس الأموال الكويتية الموجودة في الخارج نحو مشاريع محلية.

شراكة القطاع الخاص

أما الخبير الاقتصادي الكويتي نادر العبيد، فرأى في حديثه لـ«إرم بزنس» أن الكويت بدأت تفكر بجدية أكبر في شراكة القطاع الخاص، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة، خصوصاً في 2027، طرح مجموعة من المشاريع عبر هيئة الشراكة، بما يخفف عن الدولة دورها كمشغل ومزود مباشر للخدمات.

واعتبر أن ملف الرعاية السكنية يمثل نموذجاً واضحاً لهذا التحول، بعدما تراكمت الطلبات السكنية إلى أكثر من 100 ألف طلب. وبحسب تقديره، يمكن لنموذج المطور العقاري أن يسهم في توفير نحو 45 إلى 47 ألف وحدة سكنية خلال خمس سنوات، مع إمكانية أن يتوسع النموذج خلال السنوات العشر المقبلة إلى نطاق أوسع من الوحدات إذا نجح في تخفيف الأعباء عن الدولة وتسريع تلبية الطلب.

وجزم العبيد بأن دخول القطاع الخاص بقوة في ملف الإسكان لا يعني فقط حل أزمة سكنية، بل قد يفتح دورة اقتصادية أوسع، تشمل البنوك، وشركات العقار المدرجة، ومواد البناء، والتجارة، والخدمات اللوجستية، والتأمين، والتجزئة.

وأشار إلى أن البنوك تستحوذ حالياً، وفق تقديره، على ما بين 60% و68% من تداولات أو وزن سوق الأوراق المالية، بسبب قوة أرباحها وأدائها، لكن دخول المطور العقاري قد يمنح الشركات العقارية المدرجة وزناً أكبر ويخلق عمقاً إضافياً للسوق.

كما توقع أن تستفيد قطاعات التأمين من هذا المسار، مع ارتفاع الحاجة إلى التأمين على الوحدات الممولة أو المرتبطة بالمطورين والبنوك، إلى جانب استفادة قطاعات التجارة واللوجستيات والخدمات ومواد البناء. واعتبر أن الاقتصاد الكويتي قد يشهد انتعاشاً خلال ثلاث إلى خمس سنوات إذا جرى تنفيذ هذه المسارات بفاعلية.

وتجمع آراء الخبراء على أن الكويت تملك أدوات امتصاص الصدمة، لكن الفرق سيكون في سرعة التنفيذ. فالمسألة لم تعد محصورة في سد العجز أو انتظار تحسن أسعار النفط وحركة الملاحة، بل في تحويل الضغط الحالي إلى إعادة تصميم أوسع لدور الدولة، ومكانة القطاع الخاص، وطبيعة الإنفاق العام، بحيث تخرج الكويت من الأزمة باقتصاد أقل اعتماداً على النفط وأكثر قدرة على إنتاج النمو.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 10 ساعات
منذ ساعتين
منذ 8 دقائق
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 20 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 8 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 13 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 9 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 19 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات