لم تعد الأقمار الصناعية مجرد وسيلة لتوفير الإنترنت في المناطق النائية، بل أصبحت جزءاً من البنية التحتية للأمن القومي والاتصالات العسكرية، في تحول يفتح أسواقاً جديدة أمام شركات التكنولوجيا والفضاء.
وفي هذا السياق، تبرز شركة «سبيس إكس» (SpaceX) من خلال منظومة «ستارشيلد» (Starshield)، التي تستفيد من التقنيات المستخدمة في شبكة «ستارلينك» (Starlink) التجارية لتقديم خدمات مخصصة للحكومات والمؤسسات الأمنية والعسكرية.
ويكتسب هذا النشاط أهمية اقتصادية متزايدة مع توسع الإنفاق الحكومي على الاتصالات الآمنة والاستطلاع الفضائي، واحتدام المنافسة بين الشركات الخاصة على العقود الدفاعية.
كما أعادت التطورات المرتبطة باستخدام «ستارلينك» في الحرب الأوكرانية تسليط الضوء على العلاقة بين البنية التحتية التجارية والاحتياجات العسكرية، وعلى مدى اعتماد الحكومات على خدمات فضائية تديرها شركات خاصة.
الإمارات تمنح «ستارلينك» رخصة تقديم خدمات الإنترنت الفضائي لـ10 أعوام
علاقة «ستارشيلد» بـ«ستارلينك»؟
تطوّر «سبيس إكس»، المملوكة لرجل الأعمال إيلون ماسك، منظومة «ستارشيلد» بوصفها نشاطاً متخصصاً في أنظمة الأقمار الصناعية العسكرية والاستخباراتية، مع توجيه خدماتها إلى وزارة الدفاع الأميركية وقطاعات حكومية أخرى.
ورغم اعتماد المنظومتين على تقنيات فضائية متقاربة، إلا أن لكل منهما وظيفة مختلفة.
فـ«ستارلينك» شبكة تجارية توفر الإنترنت عريض النطاق للأفراد والشركات، بينما تستهدف «ستارشيلد» الاتصالات الحكومية الآمنة والمهام المرتبطة بالأمن القومي، مع استخدام تشفير إضافي ومحطات اتصال مخصصة للتعامل مع المعلومات الحساسة.
وتشير بيانات «سبيس إكس» إلى تركيز المنظومة على ثلاثة مجالات رئيسية: مراقبة الأرض وجمع البيانات، والاتصالات الآمنة، ودمج الحمولات والأجهزة التي تحتاج إليها المهمات الحكومية على متن الأقمار الصناعية.
كما تتيح تقنيات الاتصال بالليزر بين الأقمار الصناعية ربط أقمار تابعة لشركاء آخرين بالشبكة، بما يدعم تبادل البيانات بين أنظمة فضائية مختلفة. وتستفيد الشركة بذلك من خبراتها في التصنيع والإطلاق والتشغيل، بدل تطوير بنية تحتية مستقلة بالكامل لكل مشروع حكومي.
العقود الدفاعية تفتح سوقاً جديدة
يمثل الإنفاق الحكومي على الاتصالات الفضائية مصدرًا مهمًا للإيرادات المحتملة لـ«سبيس إكس»، إذ يمنحها الانتقال من الخدمات التجارية إلى العقود الدفاعية فرصة لتوسيع قاعدة عملائها والاستفادة من استثماراتها القائمة في الصواريخ والأقمار الصناعية.
وبحسب تقرير نشرته وكالة رويترز، أنفقت وزارة الدفاع الأميركية، وهي أكبر عملاء «ستارشيلد»، مليارات الدولارات على خدمات «ستارلينك» و«ستارشيلد» معاً.
وشملت المشتريات أقماراً مخصصة للاتصالات المرتبطة بمهام الإنذار الصاروخي، إلى جانب منظومة أقمار للاستطلاع تعمل لصالح المكتب الوطني للاستطلاع الأميركي.
وتكشف الفروق السعرية بين الخدمات عن القيمة الاقتصادية للأمن والتخصص.
فقد أشار تقرير رويترز إلى خلاف سابق بشأن تكلفة الخدمات المستخدمة مع الطائرات المسيّرة العسكرية، إذ دافعت «سبيس إكس» عن توجيه بعض العملاء إلى «ستارشيلد»، مشيرة إلى أن تكلفة محطة «ستارلينك» تبلغ نحو 5000 دولار، مقابل نحو 25 ألف دولار لمحطة «ستارشيلد».
وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن أن تتحول ميزات التشفير والتجهيزات المتخصصة إلى مصدر لزيادة قيمة العقود، وإن كانت المقارنة تخص تكلفة المحطات المذكورة ولا تمثل بالضرورة التكلفة الكاملة لتشغيل المنظومتين.
نحو إنترنت أرخص.. ستارلينك تطلق جيلاً جديداً من أطباقها
بريطانيا ونيوزيلندا توسعان الاهتمام
لا يقتصر الاهتمام بـ«ستارشيلد» على الولايات المتحدة. فقد تبنت بريطانيا المنظومة، وفقاً لرويترز، باستخدام البنية الفضائية والمحطات الأرضية والبنية التحتية البرية المشتركة مع «ستارلينك»، لكن عبر محطات مخصصة وبوابات منفصلة للشبكة.
كما اختبرت نيوزيلندا المنظومة لتقييم فائدتها في العمليات العسكرية.
ويشير ذلك إلى وجود فرص للتوسع خارج السوق الأميركية، مع بقاء حجم الانتشار المستقبلي مرتبطًا باحتياجات الحكومات وشروط العقود والاعتبارات الأمنية.
أسئلة اقتصادية واستراتيجية
أعادت الشكاوى الأوكرانية بشأن تقييد بعض خدمات «ستارلينك» العسكرية في أكتوبر 2026 إبراز التداخل بين البنية التحتية التجارية والاحتياجات الدفاعية. وقال إيلون ماسك إن أنظمة «ستارشيلد» مملوكة للحكومة الأميركية وتخضع لسيطرتها، وإن قرارات تقييد السرعة أو الاستخدام تعود إلى الجيش الأميركي أو الرئيس، بينما تظل «ستارلينك» خدمة تجارية تديرها الشركة.
ومن الناحية الاقتصادية، يطرح هذا الاعتماد سؤالاً بشأن قدرة الحكومات على ضمان استمرارية الخدمات الحيوية عندما تعتمد على شركات خاصة. فالعقود الدفاعية تمنح الشركات إيرادات وفرص نمو، لكنها تضعها أيضًا أمام مسؤوليات تنظيمية وسياسية معقدة، خصوصًا عندما تتقاطع الخدمات التجارية مع العمليات العسكرية.
وبذلك، لا تمثل «ستارشيلد» مجرد نسخة عسكرية من «ستارلينك»، بل توسعاً في نموذج أعمال «سبيس إكس»، يجمع بين البنية التحتية التجارية والخدمات الحكومية المتخصصة.
وتبقى فرص النمو مرتبطة بقدرة الشركة على تلبية متطلبات الأمن والموثوقية، وبمدى استعداد الحكومات لتوسيع اعتمادها على مزودي الخدمات الفضائية من القطاع الخاص.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
