«الفصائل تدخل الحكومة العراقية وأميركا تتابع» «الضوء الأخضر الأميركي» «بين الاحتواء السياسي وإعادة هندسة النفوذ»

«الفصائل تدخل الحكومة العراقية وأميركا تتابع»

«الضوء الأخضر الأميركي»

«بين الاحتواء السياسي وإعادة هندسة النفوذ»

الدكتور ثائر العجيلي

باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي

التقرير الاستراتيجي رقم (62) : «هندسة الاحتواء»

16 تشرين الأول / أكتوبر 2026

لم يعد دخول القوى المرتبطة بالفصائل المسلحة إلى الحكومة العراقية مجرد مسألة تتعلق بتوزيع الحقائب الوزارية، أو بحصول حزب سياسي على موقع تنفيذي رفيع؛ بل أصبح اختباراً لطبيعة العلاقة بين السلطة الدستورية والقوة المسلحة، ولمدى قدرة الدولة على إخضاع القرار العسكري والاقتصادي لسلطاتها الرسمية. وتزداد أهمية هذا التطور مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق في 30 أيلول 2026، واستمرار النفوذ الأميركي عبر أدوات سياسية ومالية وأمنية، في مقابل حضور إيراني متجذر في البيئة السياسية والعسكرية العراقية.

وجاء تقرير وكالة فرانس برس، الصادر في 16 تشرين الأول 2026، ليضيف بعداً جديداً إلى هذه المعادلة، بعدما نقل عن مصدرين دبلوماسيين أن واشنطن منحت رئيس الوزراء علي الزيدي موافقة ضمنية على استكمال حكومته بمشاركة شخصيات مرتبطة بفصائل مدرجة على القوائم الأميركية. وهنا لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية تعامل واشنطن مع دخول الفصائل إلى الحكومة، بل امتد إلى احتمال أنها اختارت عدم الاعتراض على دخولها ضمن حسابات سياسية وأمنية أوسع.

أولاً من الاعتراض الأميركي إلى الضوء الأخضر

كانت المواقف الأميركية السابقة تشير إلى معارضة إسناد مناصب تنفيذية عليا لشخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة خاضعة للعقوبات. ففي تقرير نشرته صحيفة The National في 7 تشرين الأول 2026، أفاد مصدران عراقيان ومصدر غربي بأن واشنطن اعترضت في البداية على تعيين ليث الخزعلي نائباً لرئيس الوزراء. غير أن أحد المصادر القريبة من المفاوضات أشار إلى أن الزيدي تمكن من إقناع الأميركيين بالتراجع عن اعتراضهم، بينما لم يؤكد المصدران الآخران حصول ذلك.

وقبل ذلك، كان مركز صوفان قد أوضح في تقريره الصادر في 4 حزيران 2026 أن الضغوط الأميركية أسهمت في عدم منح أعضاء كتلة الصادقون، الجناح السياسي لعصائب أهل الحق، مناصب وزارية في التشكيلة الحكومية الأولى، رغم وزن الكتلة البرلماني. كما تناول المركز استخدام واشنطن أدوات مالية وسياسية للضغط على بغداد ومنع وصول شخصيات مرتبطة بفصائل موالية لإيران إلى مواقع حكومية حساسة.

وفي 11 تشرين الأول، نقلت منصة 964 عن حسين الشيحاني، عضو المكتب السياسي لحركة الصادقون، أن رئيس الوزراء بذل جهوداً خلال زيارته نيويورك لتخفيف الاعتراضات الأميركية على ترشيح ليث الخزعلي. وهذا التصريح يضيف مؤشراً عراقياً إلى وجود مفاوضات سياسية سبقت اكتمال الحكومة.

لكن المفاجأة جاءت في 16 تشرين الأول، عندما نقلت فرانس برس عن مصدر دبلوماسي أن الزيدي حصل على موافقة أميركية ضمنية خلال زيارته الولايات المتحدة في أيلول، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث التقى الرئيس دونالد ترامب. وأكد مصدر دبلوماسي ثانٍ حصول الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال الحكومة بمشاركة بعض الفصائل.

وهنا تظهر مسألة زمنية تستحق الانتباه؛ إذ إن تقرير The National المنشور في 7 تشرين الأول تحدث عن اعتراض أولي، بينما تنسب فرانس برس الموافقة إلى زيارة أيلول. ولذلك لا يمكن الجزم بالتوقيت الدقيق لتغير الموقف الأميركي، وإن كانت الروايتان تفتحان المجال أمام قراءة مسار تفاوضي انتقل من الاعتراض إلى القبول الضمني.

ثانياً ماذا حصلت عليه واشنطن مقابل الموافقة؟

هذه هي الإضافة الأكثر أهمية في تقرير فرانس برس. فبحسب المصدر الدبلوماسي، وافقت الولايات المتحدة على مشاركة بعض الفصائل القريبة من إيران في الحكومة بعد أن قدم رئيس الوزراء تعهدين: المضي في خطط نزع سلاح الفصائل، وتقديم ضمانات بعدم مهاجمة المصالح الأميركية داخل العراق. وأضاف المصدر أن واشنطن تريد مساعدة الزيدي على تنفيذ خططه.

إذا صحت هذه الرواية، فإن الموافقة الأميركية لم تكن قبولاً غير مشروط بالبنية العسكرية القائمة، بل قد تكون جزءاً من تفاهم سياسي يفصل بين المشاركة الحكومية واستمرار النشاط العسكري المستقل. وبذلك تصبح الحكومة ساحة محتملة لإعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل والدولة، بدلاً من أن تكون مجرد نتيجة لتوازنات توزيع المناصب.

وتبرز هنا ثلاثة احتمالات تفسيرية مترابطة: الأول أن واشنطن قبلت المشاركة السياسية مقابل ضبط السلوك العسكري؛ والثاني أنها تحاول احتواء الفصائل داخل المؤسسات الرسمية، حيث تصبح أكثر تعرضاً للمساءلة والضغوط؛ والثالث أنها وافقت على تسوية مرحلية تسهّل تشكيل الحكومة دون أن تتخلى عن العقوبات أو مطالب حصر السلاح بيد الدولة.

ثالثاً ليث الخزعلي:

من العقوبات الأميركية إلى نائب رئيس الوزراء

في 15 تشرين الأول 2026، صوّت مجلس النواب العراقي على استكمال التشكيلة الحكومية، ومن بين التعيينات ليث الخزعلي، القيادي في عصائب أهل الحق وشقيق أمينها العام قيس الخزعلي، نائباً لرئيس الوزراء. ويخضع الشقيقان لتصنيفات أميركية تتعلق بالإرهاب، فيما تصنف واشنطن عصائب أهل الحق منظمة إرهابية أجنبية.

وترتبط خلفية العقوبات الأميركية باتهامات تتعلق بهجمات استهدفت القوات الأميركية بعد عام 2003، ومنها هجوم كربلاء في كانون الثاني 2007 الذي أدى إلى مقتل خمسة جنود أميركيين. وقد سبق احتجاز الشقيقين لدى القوات الأميركية والبريطانية قبل إطلاق سراحهما لاحقاً.

وفي المقابل، تشير فرانس برس إلى أن عصائب أهل الحق تحولت إلى قوة سياسية بارزة، وحصلت على 27 مقعداً في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وكانت من أوائل الجهات التي أعلنت دعم خطة رئيس الوزراء لحصر السلاح بيد الدولة، وقالت إنها بدأت بالفعل تسليم أسلحتها، كما لم تُربط علناً بالهجمات الأخيرة على المصالح الأميركية. وهذه مواقف وتصريحات ينبغي التمييز بينها وبين التحقق الفعلي من اكتمال تسليم الترسانات.

وتثير هذه المعطيات سؤالاً مؤسساتياً يتجاوز شخصية الخزعلي: هل تمثل المشاركة التنفيذية انتقالاً تدريجياً من النفوذ العسكري إلى النفوذ السياسي، أم يمكن أن تمنح القوى المسلحة موقعاً جديداً داخل الدولة مع استمرار احتفاظها بمراكز قوة مستقلة عنها؟

رابعاً كتائب سيد الشهداء:

المشاركة لا تقتصر على عصائب أهل الحق

لم يقتصر كشف فرانس برس على تعيين ليث الخزعلي، بل أشار أيضاً إلى حصول كتائب سيد الشهداء، وهي من الفصائل المدعومة من إيران والمنضوية ضمن المقاومة الإسلامية في العراق، على وزارة السياحة. وذكرت الوكالة أن هذه الجماعة ارتبطت بهجمات عديدة على المصالح الأميركية.

وتكتسب هذه المعلومة أهميتها من أنها توسع نطاق البحث من تعيين شخصية واحدة إلى دراسة تمثيل أكثر من قوة مرتبطة بالفصائل داخل الحكومة. كما أنها تفرض التمييز بين الفصائل التي أعلنت استعدادها لتسليم السلاح وتلك التي لم تقدم التزامات مماثلة، فلا يجوز التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة متطابقة المصالح والسلوك.

خامساً سابقة أميركية أم تحول في الاستراتيجية؟

أشارت فرانس برس إلى أن واشنطن سبق أن تغاضت عن مشاركة بعض الفصائل المدرجة على قوائمها في حكومات عراقية سابقة. لكن المصدر الدبلوماسي الأول اعتبر أن الظروف تغيرت، واستشهد بتجربة الولايات المتحدة في سوريا وتعاملها مع الرئيس أحمد الشرع، الذي كان مدرجاً سابقاً على قوائم الإرهاب، بوصفها مثالاً على استعداد واشنطن لتعديل أساليبها السياسية.

ولا تعني هذه المقارنة تطابق الحالتين العراقية والسورية، لكنها تكشف طريقة التفكير التي نسبها المصدر إلى الجانب الأميركي: إمكان تغيير أسلوب التعامل مع قوى كانت تُعد خصوماً، إذا رأت واشنطن أن ذلك يخدم أهدافاً أمنية أو سياسية محددة.

وهنا تتشكل ثلاثة تفسيرات محتملة للموقف الأميركي. فقد يكون الأمر محاولة للاحتواء من الداخل، بحيث تتحول المشاركة الحكومية إلى وسيلة لفرض التزامات سياسية وأمنية على الفصائل. وقد يكون قبولاً بالأمر الواقع، نتيجة إدراك واشنطن أن استبعاد هذه القوى من الحكومة قد يفاقم الانسداد السياسي أو يرفع احتمالات المواجهة الداخلية. وقد يكون إعادة توزيع لأدوات النفوذ، تقبل فيها الولايات المتحدة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


قناة السومرية منذ 6 ساعات
عراق أوبزيرڤر منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 13 ساعة
قناة السومرية منذ 9 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ 13 ساعة
كوردستان 24 منذ 9 ساعات
موقع رووداو منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 8 ساعات