عزيزة علي عمان يعيد كتاب "رحلات في ديار الشام"، للمربي الفلسطيني أحمد سامح الخالدي إحياء جانب من التاريخ الاجتماعي والثقافي لفلسطين وبلاد الشام، من خلال توثيق رحلات عدد من شيوخ التصوف في القرن الثاني عشر الهجري، وما نقلوه عن المدن والقرى والأماكن المقدسة، في مرحلة شهدت تحولات سياسية وإدارية واجتماعية في ظل الحكم العثماني.
ويأتي الكتاب، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1946 عن المكتبة العصرية في يافا، ضمن سلسلة "الموروث الثقافي"، التي تصدرها وزارة الثقافة الفلسطينية لإعادة نشر المؤلفات الفلسطينية الصادرة قبل النكبة، بما يسهم في الحفاظ على الذاكرة الثقافية والتاريخية الفلسطينية وإتاحتها للباحثين والقراء.
ويتناول الخالدي أربع رحلات قام بها عبد الغني النابلسي ومصطفى البكري الصديقي ومصطفى أسعد الدمياطي، شملت القدس ونابلس ويافا والرملة وغزة ومناطق أخرى من فلسطين وبلاد الشام، وصولا إلى أجزاء من لبنان وقبرص. وتقدم هذه الرحلات مشاهدات عن أحوال الطرق والأمن، وطبيعة الحياة الزراعية، والمعالم الدينية والعلمية، إلى جانب أنماط الحكم والعلاقات الاجتماعية السائدة آنذاك.
ولا تقتصر أهمية الكتاب على مسارات الرحالة وزياراتهم للأماكن المقدسة، بل تمتد إلى ما تكشفه رواياتهم من تفاصيل عن الحياة اليومية والاقتصاد المحلي؛ من شهرة نابلس بأشجار الزيتون والخروب وصناعة دبس الخروب، إلى بساتين يافا وكروم الخليل، فضلا عن المدارس والمعاهد والتكايا التي أدت أدوارا دينية وعلمية واجتماعية في القدس.
وفي المقابل، يلفت الخالدي إلى المخاطر التي واجهت المسافرين خارج المدن الكبرى، حيث اضطروا إلى التنقل ضمن قوافل تحرسها مجموعات من المرافقين، أو تغيير طرقهم لتجنب قطاع الطرق والإتاوات. كما يناقش أثر طبيعة الحكم الإقطاعي والمنافسات بين القوى المحلية في أوضاع البلاد، وما تركته الحروب والنزاعات من آثار في البيئة والعمران.
ويقرأ المؤلف هذه الرحلات في ضوء الخلفية الصوفية لأصحابها، موضحا أن اهتمامهم انصب بدرجة كبيرة على زيارة المقامات والأماكن المقدسة واللقاء بشيوخ الطرق الصوفية، وهو ما حدّ من اتساع وصفهم لبعض جوانب المجتمع. ومع ذلك، تظل رواياتهم مصدرا مهما لفهم ملامح الحياة في فلسطين وبلاد الشام خلال تلك المرحلة التاريخية.
ويقدم "رحلات في ديار الشام"، بذلك مادة توثيقية تجمع بين أدب الرحلات والتاريخ الاجتماعي والثقافي، وتبرز أهمية المصادر التاريخية في استعادة تفاصيل المكان والإنسان، فيما تمثل إعادة نشره خطوة نحو إحياء المؤلفات الفلسطينية القديمة وتعزيز حضورها في الذاكرة الثقافية المعاصرة.
يتناول الكتاب أربع رحلات قام بها عدد من العلماء والرحالة في بلاد الشام خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، موثقا أحوال فلسطين ودمشق وشبه جزيرة سيناء وأجزاء من جبل لبنان وقبرص، وما شهدته تلك المناطق من تحولات سياسية واجتماعية وأمنية. مشيرا إلى أن الرحلة الأولى قام بها الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي عام 1689، فيما قام الشيخ مصطفى البكري الصديقي برحلتين عامي 1710 و1714، أما الرحلة الرابعة فكانت للشيخ مصطفى أسعد الدمياطي عام 1730.
ويوضح المؤلف أن أهمية هذه الرحلات لا تكمن في اتساع نطاقها الجغرافي، بقدر ما تكمن في تصويرها أوضاع البلاد وشخصياتها ومؤسساتها، وتقديم معلومات عن مرحلة تاريخية لا تزال جوانب منها بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق.
ويربط الخالدي بين الرحلات الأربع من خلال العلاقة العلمية بين أصحابها؛ فالنابلسي أستاذ البكري، الذي أقام في القدس وتزوج فيها وألّف عددا من الكتب، معظمها في التصوف، فيما كان البكري أستاذ الدمياطي، ما يجعل الرحلات متكاملة في وصف الأماكن وأحوال سكانها.
تصف الرحلة الأولى مسار النابلسي من دمشق إلى بيت المقدس والمناطق المحيطة بها ذهابا وإيابا، فيما تتناول رحلتا البكري الطريق من دمشق إلى القدس، إلى جانب وصف الساحل الفلسطيني. ويذكر الخالدي أن الوزير رجب باشا كان واليا على القدس خلال.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
