تتصاعد الخلافات داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بشأن كيفية التواصل مع الأسواق المالية، في وقت يسعى فيه رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش إلى تقليص التصريحات المتعلقة بمسار أسعار الفائدة، بينما يتمسك عدد من المسؤولين بضرورة توضيح توجهات السياسة النقدية لتجنب إرباك المستثمرين.
وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي يخوضون نقاشين متوازيين، يتعلق الأول بالمستوى الذي ينبغي أن تصل إليه أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، فيما يتمحور الثاني حول حجم المعلومات التي يتعين الكشف عنها للأسواق بشأن القرارات المستقبلية.
ورغم رغبة وارش، الذي تولى رئاسة الفيدرالي في مايو الماضي، في الحد من التصريحات والتوقعات المسبقة، فإن معظم زملائه لم يتبنوا النهج نفسه.
وبحسب إحصاء أجرته الصحيفة، أدلى 16 مسؤولاً في الاحتياطي الفيدرالي بما لا يقل عن 59 تصريحاً ومقابلة وخطاباً عاماً خلال الفترة الممتدة من اجتماع سبتمبر وحتى بدء فترة الصمت الإعلامي التي تسبق اجتماع أكتوبر، مقارنةً بنحو 54 تصريحاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وقالت كاثي بوستيانسيتش، كبيرة الاقتصاديين في شركة «نيشن وايد»، إن وارش لم ينجح على ما يبدو في إقناع بقية المسؤولين بتقليص تصريحاتهم، مشيرةً إلى أن غيابه عن النقاش العام يدفع الآخرين إلى ملء الفراغ.
تقلبات حادة في توقعات الفائدة
تكتسب الخلافات بشأن التواصل أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسواق، إذ تعتمد تكاليف الرهن العقاري والقروض الممنوحة للشركات والأفراد بدرجة كبيرة على توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة المستقبلية، وليس فقط على مستوياتها الحالية.
وشهدت هذه التوقعات تقلبات ملحوظة خلال الأسابيع الماضية، بعدما تراجعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر من نحو 70% قبل شهر إلى 15% بحلول 16 أكتوبر، وهو آخر يوم سُمح فيه لمسؤولي الفيدرالي بالإدلاء بتصريحات علنية قبل الاجتماع.
وساهمت بيانات سوق العمل الأميركية في تغيير توقعات المستثمرين، بعدما أظهرت إضافة الاقتصاد 29 ألف وظيفة فقط خلال سبتمبر، ما يشير إلى غياب ضغوط قوية في الطلب على العمالة ويمنح البنك المركزي مجالاً للتريث قبل اتخاذ قرار جديد برفع الفائدة.
ويرى وارش أن الإفراط في تقديم التوجيهات المستقبلية قد يقيد قدرة صناع السياسة النقدية على تعديل قراراتهم وفقاً للتطورات الاقتصادية، فضلاً عن تشويش الإشارات التي تقدمها الأسواق بشأن أداء الاقتصاد.
وقال خلال مشاركته في فعالية بالعاصمة التايلاندية بانكوك هذا الشهر إنه لا يؤيد الإعلان مسبقاً عن القرارات المحتملة في الاجتماعات المتبقية من العام، مؤكداً أن الفيدرالي دخل مرحلة جديدة لم يعد فيها معنياً بتقديم مثل هذه التوقعات.
هل يتجه الفيدرالي الأميركي إلى تثبيت الفائدة رغم تصاعد التضخم؟
مسؤولون يعارضون سياسة الصمت
في المقابل، يرى عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أن تقليص التواصل مع الأسواق بصورة مفرطة قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك إن اتخاذ الأسر والشركات قرارات اقتراض بناءً على تصورات خاطئة بشأن تحركات أسعار الفائدة قد يترتب عليه تكاليف مالية مرتفعة.
وأوضحت أن شرح طريقة تفكيرها في السياسة النقدية لا يعني تقديم تعهدات بشأن القرارات المقبلة، وإنما توضيح الإطار الذي تستند إليه في تقييم البيانات الاقتصادية.
من جانبه، حذر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس ألبرتو موسالم من أن امتناع البنك المركزي عن توضيح منهجه لا يساعد المستثمرين على التركيز على البيانات الاقتصادية، بل يدفعهم إلى التخمين ويزيد الضوضاء في الأسواق.
وأشار إلى أن الاختيار الحقيقي لا يتمثل في المفاضلة بين الإفراط في الوعود والصمت الكامل، وإنما بين ترك الجمهور يخمن طريقة تفكير البنك المركزي أو شرحها بوضوح.
أما رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند توم باركين، فأبدى تأييده لتقليص الإشارات المتعلقة بالاجتماعات المقبلة، مؤكداً أنه يفضل مناقشة تطورات الاقتصاد دون الإعلان مسبقاً عن موقفه من قرارات الفائدة.
رفع الفائدة يكشف حدود الصمت
برزت تداعيات الخلافات عقب قرار الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة في سبتمبر الماضي، عندما فسّر المستثمرون تصريحات وارش وأداء الاقتصاد على أنها إشارات إلى احتمال تنفيذ زيادة ثانية متتالية خلال اجتماع أكتوبر.
لكن تصريحات لاحقة لنائبي رئيس الفيدرالي أشارت إلى عدم وجود حاجة ملحة لرفع الفائدة مجدداً، ما دفع الأسواق إلى خفض توقعاتها بسرعة.
واعتبر عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر أن هذه التطورات كشفت حدود سياسة تقليص التوجيهات المستقبلية، محذراً من أن التخلي عنها بصورة جذرية قد يحرم البنك المركزي من أداة مهمة لإدارة توقعات الأسواق.
بدوره، قال دونالد كوهن، النائب السابق لرئيس الاحتياطي الفيدرالي، إنه يعارض تقديم توقعات دقيقة بشأن توقيت تغيير أسعار الفائدة، لكنه أشار إلى أن التطورات الأخيرة أظهرت قلق بعض أعضاء لجنة السياسة النقدية من أن الأسواق باتت تستبق توجهات البنك المركزي نتيجة نقص التوجيهات.
أسبوع البنوك المركزية.. مفاجآت على حبل الفائدة المشدود
تحديات التضخم والذكاء الاصطناعي
تأتي هذه الخلافات في مرحلة يواجه فيها الاقتصاد الأميركي تحديات متزامنة، أبرزها صدمة ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب الطفرة الاستثمارية الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
وتزيد هذه العوامل صعوبة تحديد المستوى الملائم لأسعار الفائدة، خصوصاً في ظل تباين تقييمات المسؤولين بشأن مصادر الضغوط التضخمية ومدى الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية.
ويرى بعض أعضاء الفيدرالي أن السياسة النقدية الحالية لا تزال تيسيرية أكثر من اللازم، بينما يعتبر آخرون أن رفع الفائدة يمثل إجراءً احترازياً لمنع استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف من التأثير في قرارات الشركات المتعلقة بالتسعير.
وقال جوناثان بينغل، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «يو بي إس»، إن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كانت توفر تقليدياً إطاراً موحداً يستطيع بقية المسؤولين الاستناد إليه عند شرح توجهات السياسة النقدية.
وأضاف أن غياب هذا الدور حالياً يضعف الاتساق في الرسائل الصادرة عن البنك المركزي، ويزيد صعوبة تفسيرها بالنسبة إلى المستثمرين.
مراجعة مرتقبة لاستراتيجية التواصل
يأتي الجدل بالتزامن مع إعداد فريق عمل من الخبراء المستقلين توصيات بشأن تطوير استراتيجية التواصل لدى الاحتياطي الفيدرالي، من المنتظر تقديمها قبل نهاية العام الجاري. وأكد وارش أن أي تغييرات محتملة في هذه الاستراتيجية ستخضع لقرار لجنة السياسة النقدية بكامل أعضائها.
ويرى مراقبون أن التحدي لا يقتصر على تقليص عدد التصريحات، بل يشمل ضمان اتساق الرسائل الصادرة عن المسؤولين، خصوصاً في ظل اختلاف وجهات نظرهم بشأن أسباب الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة.
وقالت كلوديا سام، الخبيرة الاقتصادية السابقة في الاحتياطي الفيدرالي، إن غياب توضيحات رئيس البنك المركزي يدفع المستثمرين إلى إعطاء أهمية أكبر لتصريحات بقية الأعضاء.
وأضافت أن الوضع الحالي قد يكون من أسوأ السيناريوهات الممكنة، إذ لا يستطيع أحد إجبار رئيس الفيدرالي على التحدث باسم اللجنة، كما لا يستطيع هو إجبار بقية الأعضاء على التزام الصمت.
وتسلط هذه الخلافات الضوء على التحدي الذي يواجهه وارش في إعادة صياغة سياسة التواصل مع الأسواق، في وقت تزداد فيه أهمية وضوح الرسائل النقدية مع استمرار الضغوط التضخمية والتقلبات الاقتصادية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
