شددت البنوك في منطقة اليورو شروط منح القروض خلال الربع الثالث من عام 2026، بالتزامن مع تراجع الطلب على التمويل، في مؤشر يعزز حذر البنك المركزي الأوروبي بشأن مواصلة رفع أسعار الفائدة، وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وأظهر مسح الإقراض المصرفي الصادر عن البنك المركزي الأوروبي، الثلاثاء، أن تزايد المخاوف المرتبطة بالمخاطر الاقتصادية وتراجع استعداد البنوك لتحملها شكّلا العاملين الرئيسيين وراء تشديد معايير الائتمان.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبيرغ»، أشارت بعض البنوك إلى تنامي الضغوط الناجمة عن حالة عدم اليقين الجيوسياسي وتقلبات أسواق الطاقة، في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأوروبي.
وأوضح البنك المركزي الأوروبي أن المستوى المرتفع لأسعار الفائدة كان العامل الأساسي وراء تراجع الطلب على القروض، إلى جانب ضعف الطلب على الاستثمارات الثابتة لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتوجه بعض المقترضين نحو مصادر تمويل بديلة.
المركزي الأوروبي أمام قرار حاسم
تأتي نتائج المسح عشية اجتماع السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، الذي يستمر يومين، وسط توقعات واسعة بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.
ورغم استمرار التضخم عند مستوى يقارب ضعف المستهدف البالغ 2%، وإظهار اقتصاد منطقة اليورو قدراً من المرونة، فإن الارتفاع الأخير في عوائد السندات طويلة الأجل يضيف ضغوطاً جديدة على النشاط الاقتصادي.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة مرتين منذ يونيو الماضي، ما دفع سعر الفائدة على الودائع إلى الحد الأعلى للنطاق الذي يُعتقد أنه محايد بالنسبة إلى النشاط الاقتصادي.
ويكتسب الإقراض المصرفي أهمية كبيرة في منطقة اليورو، نظراً إلى دوره الرئيسي في تمويل استثمارات الشركات ودعم النشاط الاقتصادي، فضلاً عن كونه مؤشراً مبكراً على تأثير السياسة النقدية في النمو.
المركزي الأوروبي: شركات منطقة اليورو تواجه صعوبات بالحصول على الائتمان
ضغوط على الشركات
أظهر تقرير منفصل أصدره البنك المركزي الأوروبي الاثنين أن الشركات باتت تواجه ارتفاعاً في تكاليف الائتمان، إلى جانب تراجع توافر القروض بوتيرة تفوق انخفاض احتياجاتها التمويلية.
وتشير هذه التطورات إلى احتمال تعرض استثمارات الشركات لمزيد من الضغوط خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً في القطاعات الأكثر اعتماداً على التمويل المصرفي.
كما كشف مسح الثلاثاء عن تأثير سلبي محدود لتقليص محفظة أصول البنك المركزي الأوروبي في ظروف التمويل المتاحة للبنوك في الأسواق ومراكز السيولة لديها خلال العام الماضي.
في المقابل، كان تأثير هذه الخطوة في ربحية البنوك إيجابياً بصورة طفيفة، إذ ساهم ارتفاع صافي دخل الفوائد في دعم الأرباح، رغم تسجيل خسائر رأسمالية محدودة.
وتتوقع البنوك استمرار هذه التأثيرات خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.
نهاية دورة رفع الفائدة
قال ديفيد باول، كبير الاقتصاديين المختصين بمنطقة اليورو لدى «بلومبيرغ إيكونوميكس»، إن نتائج المسح تشير إلى ضعف متزامن في عرض الائتمان والطلب عليه، نتيجة حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وأضاف أن هذه البيانات ستوفر دعماً لأعضاء مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي الأكثر ميلاً إلى تيسير السياسة النقدية، والذين يرجح أن يستخدموها خلال اجتماع هذا الأسبوع للدفع باتجاه إنهاء دورة رفع أسعار الفائدة قريباً.
وتبرز نتائج المسح التحدي الذي يواجهه المركزي الأوروبي في تحقيق التوازن بين احتواء التضخم المرتفع وتجنب فرض مزيد من الضغوط على النمو الاقتصادي.
الطلب على القروض
في المقابل، أشار البنك المركزي الأوروبي إلى تسجيل زيادة تدريجية ومستمرة في الطلب على القروض المخصصة لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في ظل توسع الاستثمارات المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
وأوضح أن معظم البنوك لم تعتمد بعد معايير كمية محددة لتقييم القروض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ضمن سياساتها الائتمانية.
لكن عدداً محدوداً من المؤسسات المصرفية بدأ يأخذ في الحسبان مخاطر تبني الذكاء الاصطناعي عند إجراء التقييمات النوعية للمقترضين، مع إخضاع شركات تكنولوجيا المعلومات لأعلى مستويات التدقيق.
ويعكس هذا الاتجاه تزايد أهمية الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في سوق التمويل الأوروبية، رغم استمرار الضغوط على الطلب التقليدي على القروض.
وتضع هذه التطورات البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة معقدة، إذ يتعين عليه مواجهة التضخم الذي لا يزال أعلى من مستهدفه، دون التسبب في مزيد من التراجع في الإقراض والاستثمار، في وقت تواجه فيه منطقة اليورو تحديات اقتصادية وجيوسياسية متزايدة.
تضخم وديون واحتجاجات.. «المركزي الأوروبي» بين خيارات أحلاها مر
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
