ترتيبات إدارة مصرف ليبيا المركزي.. هل تحتوي أزمة الدينار؟

يمثل الانتقال السلس لرئاسة مصرف ليبيا المركزي، بتولّي فوزي أبوخزام مهام المحافظ خلفاً لناجي عيسى، تطوراً مؤسسياً يختلف عن أزمة القيادة النقدية التي شهدتها البلاد في 2024. لكن هذا الانتقال يفتح تساؤلات بشأن قدرة الإدارة الجديدة على احتواء الضغوط التي يتعرض لها الدينار الليبي، في اقتصاد يعتمد، بدرجة كبيرة، على الإيرادات النفطية، ويتأثر بتقلباتها وباختلالات المالية العامة.

ويرى 4 خبراء اقتصاديين تحدثوا إلى «إرم بزنس» أن الترتيبات الجديدة قد تسهم في الحد من الارتباك المؤسسي، وطمأنة الأسواق المحلية، والأوساط الدولية، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة الدينار. ويؤكد الخبراء أن استعادة الاستقرار النقدي تتطلب ضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين إدارة النقد الأجنبي، ومعالجة الاختلال بين الإيرادات العامة والمصروفات.

وتواجه العملة الليبية ضغوطاً متزايدة، بعدما خفّض مصرف ليبيا المركزي، في 18 يناير الماضي، قيمة الدينار للمرة الثانية خلال 9 أشهر، بنسبة 14.7%، ليصل سعر الصرف الرسمي إلى 6.35 دينار للدولار، في وقت يدور فيه سعر العملة الأميركية في السوق الموازية حول 10 دنانير.

أزمة تغيير المحافظ تهدد الاستقرار النقدي في ليبيا

وتعود الضغوط المالية والنقدية إلى اختلالات هيكلية في إدارة الإنفاق العام. ففي 2024، بلغ الإنفاق المزدوج 224 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 46 مليار دولار، وفق بيان للمصرف المركزي صدر في أبريل 2025. وفي ظل هذه الضغوط، خُفّضت قيمة الدينار بنسبة 13.3%، ليصل السعر الرسمي إلى 5.5677 دينار للدولار، في أول خفض رسمي منذ 2020، وسط مطالبات بضبط الإنفاق الحكومي.

عقبات أمام الإدارة الجديدة

وفي أبريل 2026، اتفق الفرقاء الليبيون، برعاية ودعم دوليين، على اعتماد أول ميزانية موحدة للدولة بقيمة إجمالية تقارب 190 مليار دينار، أي نحو 30 مليار دولار. ومثلت الخطوة تطوراً في مسار معالجة الانقسام المالي الذي استمر أكثر من 13 عاماً، غير أن الميزانية لم تدخل حيز التنفيذ بعد، بحسب تقارير إعلامية ليبية.

يرى رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية، المحلل الاقتصادي خالد بوزعكوك، أن المحافظ الجديد يواجه مجموعة من التحديات، في مقدمتها الحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار أمام الدولار، وتوفير الموارد اللازمة لمواجهة المطالب المتزايدة برفع الأجور، بالتزامن مع الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار.

ويؤكد أن نجاح الترتيبات الجديدة يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وضبط الإنفاق العام، وتنويع مصادر الإيرادات. وهي ملفات، بحسب تقديره، تتجاوز صلاحيات المحافظ وحده، وتستدعي إصلاحات متكاملة في المنظومتين المصرفية والمالية وفي الاقتصاد ككل.

مقر المصرف المركزي الليبي في العاصمة طرابلس - 25 أكتوبر 2026

انتقال إداري لتفادي تكرار أزمة 2024

في ظل هذه التحديات، بدأ مصرف ليبيا المركزي إعادة ترتيب إدارته. ففي 22 أكتوبر الجاري، أعلن المصرف تسلّم فوزي أبوخزام مهامه محافظاً، بتكليف من مجلس النواب وبتأييد من المجلس الأعلى للدولة، موجهاً الشكر إلى سلفه ناجي عيسى.

وكان عيسى قد تقدم باستقالته، في 10 أغسطس الماضي، إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة. وفي أكتوبر 2026، أعلنت هيئة رئاسة مجلس النواب قبول الاستقالة وتكليف أبوخزام بتسيير مهام المصرف مؤقتاً، لحين عرض الأمر على المجلس. وتزامن الإعلان مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية متجاوزاً حاجز 10 دنانير.

وباشر أبوخزام سلسلة لقاءات لبحث سبل دعم الاستقرار المالي والنقدي. ففي 27 أكتوبر، التقى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، وبحث معه التحديات الراهنة، وسبل تعزيز الاستقرار المالي والنقدي.

ويختلف هذا الانتقال عن أزمة 2024، عندما تصاعد الخلاف بين السلطات المتنافسة في ليبيا عقب قرار المجلس الرئاسي إقالة محافظ المصرف المركزي، آنذاك، الصديق الكبير في منتصف أغسطس. وردت الحكومة في شرق البلاد، برئاسة أسامة حماد، بإعلان وقف إنتاج النفط وتصديره احتجاجاً على القرار، قبل التوصل إلى اتفاق برعاية أممية في أكتوبر من العام نفسه، أفضى إلى التوافق على تعيين ناجي عيسى محافظاً للمصرف.

الوضع أكبر من الترتيبات

يستبعد الخبير في اقتصاديات النفط والخبير السابق بمنظمة أوبك، محمد الشحاتي، أن تكون الترتيبات الإدارية الجديدة كافية لاحتواء أزمة الدينار، مشيراً إلى أن الدفاع عن قيمة العملة يتطلب سياسات نقدية قائمة على ركائز ائتمانية سليمة ومتطورة، إلى جانب خطة مستقبلية لتحفيز الادخار والاستثمار.

ويضيف الشحاتي أن بناء هذه السياسات وتفعيلها يحتاجان إلى وقت، مشدداً على أهمية حسم الوضع الإداري للمصرف من خلال تعيين محافظ دائم بقرار واضح يمنحه الصلاحيات الكاملة، بدلاً من الاكتفاء بتكليف مؤقت لتسيير الأعمال.

من جانبه، يرى رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بنغازي، حلمي القماطي، أن الانتقال السلس لرئاسة المصرف يمثل فرصة لاحتواء الارتباك المؤسسي، لكنه لا يعني بالضرورة احتواء أزمة الدينار.

ويؤكد القماطي أن استقرار سعر الصرف يتطلب إطاراً واضحاً للسياسة النقدية، وإدارة منضبطة للنقد الأجنبي، ومعالجة الاختلال بين الإنفاق العام والإيرادات، فضلاً عن الحد من الطلب غير المنتج على العملات الأجنبية. ويضيف أن نجاح الانتقال ينبغي أن يُقاس بقدرته على تحقيق استقرار نقدي ومالي ملموس، وليس بمجرد سرعة انتقال المسؤولية الإدارية.

بدوره، يعتبر الخبير الاقتصادي الليبي الهادي عبد القادر أن أزمة الدينار ذات طبيعة هيكلية، وترتبط بالإنفاق العام غير المنضبط والانقسام السياسي، ولا يمكن اختزالها في أداء المحافظ أو إدارة المصرف المركزي وحدهما.

ويشير عبد القادر إلى أن التكليف المؤقت قد يحد من قدرة المحافظ الجديد على مواجهة مطالب الإنفاق المتزايدة، لافتاً إلى أن الإنفاق المعلن خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 بلغ نحو 88.6 مليار دينار، تركز معظمه في الرواتب والدعم، مقابل 1.6 مليار دينار فقط للإنفاق التنموي.

الجدول الموحد للمرتبات في ليبيا.. ضغوط إضافية تشد الخناق على الموازنة

إيرادات نفطية كبيرة وعجز في النقد الأجنبي

على الرغم من تحقيق ليبيا إيرادات بلغت 22 مليار دولار من مبيعات النفط في 2025، بزيادة تجاوزت 15% مقارنة بالعام السابق، فإن البلاد لا تزال تواجه عجزاً في النقد الأجنبي بلغ 9 مليارات دولار، وفق بيانات المصرف المركزي.

ويبرز هذا التباين حجم التحدي الذي تواجهه السياسة الاقتصادية الليبية؛ فامتلاك البلاد أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، المقدرة بنحو 48.4 مليار برميل، وإنتاجها قرابة 1.5 مليون برميل يومياً، لا يضمنان وحدهما استقرار العملة، في ظل اعتماد الصادرات بنحو 96% على النفط، ومساهمته بنحو 98% من إيرادات خزينة الدولة.

وبينما قد يسهم الانتقال الإداري السلس في الحد من الاضطراب المؤسسي، تبقى قدرة الإدارة الجديدة على احتواء أزمة الدينار مرتبطة بمدى التقدم في ضبط الإنفاق العام، وتحسين إدارة الإيرادات النفطية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المالية، وتوفير إطار سياسي ومؤسسي يسمح بتنفيذ إصلاحات مستدامة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 50 دقيقة
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ ساعة
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
قناة العربية - الأسواق منذ 52 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 17 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 17 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 14 ساعة