يُعتبر مفهوم الأزمة من أكثر المفاهيم تداولاً في الفكر المعاصر، ومن أكثرها أيضاً ترحالاً إلى مجالات مختلفة، من خلال دلالاته الأولية ثم دلالاته الثانوية. فنحن لا ينبغي أن نقول «أزمة» عندما تداهمنا أي مشكلة، إلا إذا أردنا تضخيمها، لأن الأزمة لا تُستعمل، في معناها الدقيق، إلا عندما يصبح وضع ما مهدداً بعدم الاستمرار، ويُنذر بتحول قوي فيه. ولذلك نجد هذا المفهوم يُستعمل في مجالات متعددة، من الطب إلى السّياسة، إلى الاقتصاد، إلى العلم، إلى التّاريخ، إلى الفلسفة.
ترجع كلمة «أزمة» في اللغة العربية إلى معاني الشدّة والضيق، فـ«الأَزْم» الشدّة والقحط، و«المأزِم» الموضع الضيّق الذي يتعسر الخروج منه. واستحضاراً لهذه المعاني الأولية، نجد أن الأزمة تُفهم باعتبارها حالة تضيق فيها إمكانات الفعل، وتتعسر معها المخارج المتاحة، ويصبح تجاوز الوضع القائم أمراً ملحّاً.
لكن الدلالات الأجنبية تقدم معنى آخر للأزمة، يتعلق بمعنى «اللّحظة الحاسمة التي تتطلب قراراً». ذلك ما نجده في الكلمة الفرنسية crise، التي تعود إلى أصل يوناني يشير إلى معاني التمييز والفصل والحكم واتخاذ القرار. فنحن هاهنا أمام لحظة يتقرر فيها مصير وضع معين. وأبرز مثال على ذلك معنى «الأزمة» في المعجم الطبي، حيث تدل على اللحظة التي يحدث فيها تحوّل حاسم في تطور المرض.
وهذا ما يميزها عن المشكلة، باعتبارها تستدعي حلّاً، وعن الصعوبة، باعتبارها تشير إلى عائق ما، لأن الأزمة تشير إلى اضطراب أعمق قد يمس توازن النّظام نفسه، فكأن الأزمة هنا تحتمل حدوث تغير عميق. ويلاحظ إدغار موران أن الكلمة اليونانية Krisis كانت تدل أصلاً على الحكم أو القرار واللحظة الحاسمة التي تسمح بالتشخيص. وقد تنتهي باستعادة التوازن، أو بتكوين توازن جديد، أو بتفاقم الاضطراب. ففهم الأزمة يقتضي تصوراً للمجتمع باعتباره نظاماً منظماً ومعقّداً، كما يؤكد موران نفسه. كما لا تُفهم الأزمة عنده بمعزل عن العلاقة بين قوى الاختلال وقدرات النظام على الاستمرار وإعادة التنظيم.
يُعتبر المؤرخ الألماني راينهارت كوزيليك من أبرز الباحثين في التاريخ المفهومي للأزمة. وله دراسة مهمة في المفهوم بعنوان Krise، تتبّع فيها انتقالات المفهوم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
