مصدر الصورة: BBC
كِيسي كينيدي ليس عربياً ولا مسلماً، ولا تجمعه بالشرق الأوسط أي صلة شخصية. ومع ذلك، أصبح أحد الوجوه البارزة في حراك متنامٍ يسعى إلى تحدي نفوذ إحدى أقوى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
بدأ الأمر بحساب على وسائل التواصل الاجتماعي.
كان كينيدي يبحث في تأثير المال في السياسة الأمريكية حين لفتت انتباهه لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة باسم "أيباك".
ومع اتساع حرب غزة، راح يفتش في سجلات تمويل الحملات الانتخابية المتاحة للعموم، ليعرف حجم الأموال التي تلقاها السياسيون الأمريكيون من جهات مؤيدة لإسرائيل.
يقول لبي بي سي: "بدأت ببساطة أبحث في السجلات العامة لتمويل الحملات".
فأنشأ حساباً على منصة "إكس"، وأخذ ينشر عليه رسوماً بيانية تضع أسماء السياسيين إلى جانب حجم الدعم المالي الذي حصلوا عليه من متبرعين ومنظمات مؤيدة لإسرائيل.
وسرعان ما اجتذب المشروع، الذي حمل اسم "تراك أيباك" (رصد أيباك)، جمهوراً واسعاً، إذ يقول كينيدي إن الحساب جمع 100 ألف متابع في شهره الأول.
يقول كينيدي إن ما دفعه في البداية هو رفضه لنفوذ كبار المتبرعين في السياسة الأمريكية.
ويضيف: "لطالما تمحورت قناعاتي السياسية حول مكافحة الفساد".
كان كينيدي قد خاض حملات ضد النفوذ السياسي لشركات الوقود الأحفوري والأدوية. لكن صور الحرب الواردة من غزة دفعته إلى التركيز على الدعم الأمريكي لإسرائيل.
وفي الوقت نفسه تقريباً، كانت أمريكية أخرى من خارج المنطقة، هي كوري أرشيبولد، تحاول معالجة القضية ذاتها من زاوية مختلفة.
عملت أرشيبولد في حملات انتخابية، وتقول إنها كانت ضمن الفريق الذي أطلق "جاستس ديموكراتس"، وهي منظمة تقدمية تساعد المرشحين على خوض انتخابات الكونغرس.
كما عاشت وعملت سنوات طويلة في الشرق الأوسط، وكوّنت هناك صداقات مع فلسطينيين.
ومع مشاهدتها للدمار في غزة، تزايد إحباطها من استمرار تدفق المساعدات العسكرية الأمريكية إلى إسرائيل.
خلصت إلى أن الاحتجاجات والضغط الشعبي وحدهما لا يكفيان، وأرادت أن يكون لها تأثير في تحديد من يصل إلى الكونغرس.
تقول: "وهكذا وضعت لنفسي هدفاً: أن أجعل التعامل مع أيباك عبئاً سياسياً، وأن أجعل العمل معها أمراً ساماً سياسياً".
وكانت أرشيبولد تعمل على تأسيس لجنة عمل سياسي، تُعرف في الولايات المتحدة باسم "باك"، حين تعرّف إليها كينيدي.
قرر الاثنان توحيد جهودهما، إذ جمعا بين منصته الإلكترونية وخبرتها في الحملات الانتخابية.
واليوم، يؤيد "تراك أيباك" المرشحين ويموّلهم عبر لجنة العمل السياسي التابعة له، وهو جزء من شبكة متنامية من المجموعات السياسية التي تسعى إلى مساعدة سياسيين أمريكيين مستعدين لتحدي الدعم الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل منذ عقود.
بعض هذه المجموعات متجذر في مجتمعات الأمريكيين من أصل فلسطيني، وبعضها الآخر يقوده أو يدعمه أمريكيون لا تربطهم أي صلة شخصية بالمنطقة.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ترى هذه المجموعات أمامها فرصة، لا لتغيير من يجلسون في الكونغرس فحسب، بل لتغيير قراراته أيضاً.
كيف يؤثر المال في الانتخابات الأمريكية؟ في الولايات المتحدة، يحتاج المرشحون إلى المال لخوض حملاتهم الانتخابية، من الإعلانات التلفزيونية إلى رواتب فرق العمل والجهود المبذولة لكسب أصوات الناخبين.
وتتيح لجان العمل السياسي للمجموعات جمع التبرعات وإنفاقها لدعم مرشحين أو معارضتهم.
أما ما يُعرف بـ"اللجان الكبرى" (سوبر باكس)، فيمكنها تلقي تبرعات غير محدودة، وإنفاق ملايين الدولارات على إعلانات تدعم سياسيين أو تهاجمهم، شرط ألا تنسق هذا الإنفاق مع حملات المرشحين.
وتتولى لجنة الانتخابات الفيدرالية الأمريكية تطبيق هذه القواعد.
ويبرز تأثير هذه اللجان خصوصاً في الانتخابات التمهيدية، حين يختار الناخبون من سيمثل أحزابهم.
ففي مناطق كثيرة من البلاد، حيث يهيمن الديمقراطيون أو الجمهوريون هيمنة شبه كاملة، يكاد الفوز في الانتخابات التمهيدية يضمن الفوز في الانتخابات العامة.
وكانت "أيباك" قد نشطت نشاطاً لافتاً في هذه المعارك.
فالمنظمة تعمل من أجل علاقة قوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد أنفقت لجنتها الكبرى التابعة لها، "مشروع الديمقراطية المتحدة"، مبالغ ضخمة لدعم مرشحين تعدّهم داعمين لإسرائيل، ولمواجهة بعض منتقديها.
وبحسب أرقام تمويل الحملات التي نقلتها إذاعة إن بي آر الأمريكية، أنفق "مشروع الديمقراطية المتحدة" أكثر من 53 مليون دولار بشكل مستقل على الانتخابات خلال الدورة الحالية.
ويقول معارضو المنظمة إن هذا الإنفاق صعّب المنافسة على المرشحين المنتقدين لإسرائيل.
لكنهم باتوا يحاولون، أكثر فأكثر، تحدي "أيباك" بالأدوات نفسها.
ما الذي تغيّر في هذه الانتخابات؟ لسنوات، لم تواجه "أيباك" معارضة منظمة تُذكر في المواسم الانتخابية.
ويرى أسامة أندرابي، المتحدث باسم منظمة "جاستس ديموكراتس" التقدمية، أن انتخابات عام 2024 مثّلت ذروة نفوذ "أيباك". ففي ذلك العام، خسر اثنان من أبرز منتقدي إسرائيل في الكونغرس، كوري بوش وجمال بومان، الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، بعد أن أنفقت مجموعات مدعومة من "أيباك" مبالغ طائلة ضدهما، في سباقين يقول أندرابي إنهما من بين الأكثر تكلفة في الانتخابات التمهيدية لمجلس النواب. ويقول: "أعتقد أن كثيرين شطبوا اليسار والتقدميين بعد تلك الهزائم".
أما هذه المرة، فالصورة مختلفة. فـ"أمريكان برايوريتيز" (أولويات أمريكية)، وهي لجنة سياسية كبرى جديدة، تقول إنها بدأت الإنفاق مطلع عام 2026، وتتوقع أن يبلغ إنفاقها نحو 10 ملايين دولار مع نهاية الدورة. كما تأسست لجنة "السلام والمساءلة والقيادة"، المعروفة بـ"بال باك"، عام 2026.
ولا تتوقع أي من هذه المجموعات مجاراة أموال "أيباك"، بل تختار معاركها بعناية.
فكثير من السباقات التي تركز عليها انتخابات تمهيدية للحزب الديمقراطي في دوائر يكاد الفائز فيها يضمن مقعده في الكونغرس. ويقول كينيدي إن "تراك أيباك" يبحث عن سباقات "تكون فيها الفوارق ضئيلة جداً، ويمكننا التأثير فيها دون أن نضطر إلى إنفاق ملايين الدولارات كما تفعل أيباك".
وتقول أرشيبولد إن دعم هذا العدد الكبير من المرشحين يهدف أيضاً إلى "إرباك أيباك"، وإجبارها على توزيع أموالها على عدد أكبر من السباقات.
وإذا فاز عدد كافٍ من مرشحيها، فهي تأمل في بناء كتلة من المشرعين تتحدى الدعم الأمريكي لإسرائيل من داخل الكونغرس.
"الأمر لا يتعلق باليهود" غريغ كريغ هو المتحدث باسم "أمريكان برايوريتيز"، التي باتت من أبرز منافسي "أيباك" من حيث القدرة المالية.
كريغ أمريكي يهودي، ويقول إن هويته تؤثر في نظرته إلى الجدل الدائر حول إسرائيل والفلسطينيين.
يقول لبي بي سي: "دولة إسرائيل لا تمثل جميع اليهود".
ويشبّه انتقاد الحكومة الإسرائيلية بانتقاد الحكومة الأمريكية.
فبرأيه، الاختلاف مع الرئيس دونالد ترامب لا يجعل المرء معادياً لأمريكا، وبالمنطق نفسه، لا ينبغي أن تُعدّ معارضة سياسات الحكومة الإسرائيلية تلقائياً معاداةً للسامية.
ويقر كريغ بأن معاداة السامية مشكلة حقيقية في الولايات المتحدة، وبأن بعض الناس يطرحون مخاوف مشروعة إزاء الحراك الذي يمثله.
لكنه يرى أن آخرين يستخدمون تهمة معاداة السامية لتشويه أي انتقاد لسياسات الحكومة الإسرائيلية.
ويقول: "أتحدث بوصفي يهودياً فخوراً في الولايات المتحدة، لكن الأمر لا يتعلق باليهود في الولايات المتحدة".
ويقول كريغ إن الغالبية الساحقة من متبرعي المنظمة أمريكيون مسلمون، لكن من بين داعميها أيضاً أمريكيون يهود ومتبرعون صغار وموظفون.
وهدفها أن تضمن للمرشحين الذين يشككون في الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل تمويلاً كافياً لمنافسة شخصيات أكثر رسوخاً في العمل السياسي.
وتقول "أمريكان برايوريتيز" إن المرشحين الذين دعمتهم فازوا في 11 من أصل 12 سباقاً شاركت فيها.
ومن بينهم آدم حماوي، الجراح الأمريكي من أصل مصري والمحارب السابق في الجيش الأمريكي، الذي قدّم مساعدة طبية في غزة، وفاز بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد في الكونغرس عن ولاية نيوجيرسي.
لكن حتى مع ملايين الدولارات التي تملكها، تبقى "أمريكان برايوريتيز" أصغر بكثير من "أيباك" من الناحية المالية.
يقول كريغ: "لا تستطيع أمريكان برايوريتيز منافسة أيباك دولاراً بدولار".
لكنه يرى أن المنظمة تملك أفضلية في تغيير المواقف العامة تجاه إسرائيل، لا سيما بين الناخبين الديمقراطيين.
جهد فلسطيني أمريكي لتغيير الكونغرس بالنسبة لمارغريت ديروس، القضية شخصية للغاية.
فهي أمريكية من أصل فلسطيني، ولها جذور عائلية في لبنان، وأمضت سنوات في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين.
وبصفتها رئيسة "مشروع السياسات" التابع لـ"معهد فهم الشرق الأوسط"، عملت على تعريف السياسيين الأمريكيين بالتجربة الفلسطينية، وعلى الدفع نحو تشريعات تهدف إلى تغيير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
لكنها تقول إن العمل الحقوقي وحده لم يعد كافياً.
فقد أسهمت منظمتها في تأسيس "بال باك" لدعم مرشحين مستعدين لتبني موقف مختلف من إسرائيل والفلسطينيين.
وتقول ديروس إن اللجنة أيدت 20 مرشحاً، وتتوقع أن يفوز 16 منهم بمقاعد في الكونغرس.
وتضيف أن "بال باك" ساعدت في توجيه نحو 250 ألف دولار من التبرعات إلى المرشحين، وأنفقت قرابة 150 ألف دولار بشكل مستقل على أنشطة انتخابية.
أما المنظمة الحليفة لها، "مشروع السياسات" التابع للمعهد، فقد أنفقت نحو 1.4.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي
