عباس الزدجالي
في الولايات المتحدة، يستطيع المواطن أن ينام تحت جسر، لكنه لن يُحرم من مشاهدة إعلان انتخابي يخبره بأن بلاده أعظم دولة على وجه الأرض. وقد يعجز عن دفع فاتورة علاجه، لكن ثمة من يدفع الملايين ليشرح له، بين إعلانين، مدى الحرص على صحته ومستقبله. أما إذا جاع، فبوسعه الاختيار بحرية كاملة بين صورتين لمرشحين يبتسمان له من لوحة ضخمة فوق مطعم لا يستطيع دخوله!
تلك بعض بركات الموسم الانتخابي الأمريكي: الأموال تتدفق، والشاشات تضيء، والمستشارون يزدهرون، والمواطن يكتشف أنه أغلى ما في الوطن إلى أن يسأل عن ثمن دوائه.
لنفترض أن فاتورة الدعاية الانتخابية بلغت نحو 12 مليار دولار. لا نتحدث هنا عن بناء مستشفيات أو مساكن أو مدارس، بل عن إقناع الأمريكي بأن المرشح الأول سيُنقذه من المرشح الثاني، الذي يؤكد بدوره أن خلاص البلاد يتوقف على منع الأول من إنقاذها!
اثنا عشر مليار دولار كي يقول كل طرف إن الآخر يكذب. وهذه، ربما، النقطة الوحيدة التي يجد فيها الناخب مجالًا لتصديق الطرفين معًا.
ولأن الأرقام الكبيرة تفقد معناها من كثرة الأصفار، فلنترجمها إلى لغة الذين لا يملكون حسابات في الملاذات الضريبية. هذا المبلغ يعادل، حسابيًا، تكلفة توفير نحو 30 ألف وحدة سكنية، بافتراض 400 ألف دولار للوحدة، دون تكاليف التشغيل والخدمات المستمرة. أو يمكنه تمويل أقساط تأمين صحي لنحو مليون ومئتي ألف شخص لمدة سنة، باستخدام متوسط تكلفة التأمين الفردي المرتبط بالعمل معيارًا للمقارنة، مع بقاء مبالغ التحمل والمشاركة في العلاج.
لكن المسكن يعاني عيبًا انتخابيًا خطيرًا: لا يهاجم الخصم. وبطاقة التأمين الصحي لا تظهر على الشاشة لتقول إن المرشح الآخر سيدمر الحضارة. أما الإعلان فيفعل ذلك خلال ثلاثين ثانية، ثم يترك المواطن يعود إلى حساب ثمن الإيجار والدواء!
وفي هذه السوق الديمقراطية المزدهرة، تتوزع الأدوار بوضوح: المواطن يمنح صوته، والملياردير يمنح التمويل، والمرشح يمنح الوعود. وبعد الانتخابات، يحتفظ المواطن بنسخة من الوعود، ويحتفظ الممول برقم الهاتف.
بالطبع، ليس كل تبرع صفقة، ولا كل ممول يشتري قرارًا، ولا كل صاحب مال يضمن فوز مرشحه. لكن من السذاجة أيضًا تصور أن مئات الملايين تُدفع بدافع الشغف بصوت المذيع أو الإعجاب بألوان الملصقات. للممول أولويات، ولشركاته مصالح، ولضرائبه مكانة عزيزة في قلبه. ومن الطبيعي أن يفضّل وصول من يتفهم هذه المشاعر الرقيقة.
أما الفقير، فأولوياته أقل تعقيدًا: سقف لا يتسرب منه المطر، ووظيفة تكفيه،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
