لم يكن دخول المرأة إلى الملاعب العربية مجرد خطوة نحو مقعد في مدرجات الصحافة، بل كان اقتحامًا لمساحة ظلت عقودًا طويلة حكرًا على الرجال، بما تحمله من سلطة المعلومة، وصناعة الرأي، والبحث عن صدق المعلومة وأخذ تفسير ما يحدث داخل المستطيل الأخضر وخارجه.
في السعودية، شهدت الرياضة تحولات واسعة خلال العقد الأخير، كذلك الإمارات فتحت أبوابًا مبكرة أمام الإعلاميات، مرورًا بالمغرب ومصر وتونس والأردن والسودان وفلسطين.
خاضت الصحافيات الرياضيات معارك مختلفة، لكنها التقت عند سؤال واحد: هل يكفي أن تدخل المرأة الملعب حتى تصبح شريكة حقيقية في صناعة الإعلام الرياضي؟
تجارب نسائية عربية لم تتشابه في ظروفها، لكنها التقت في لحظات كثيرة، حين تحول الشغف إلى تحدٍّ، والمعرفة إلى وسيلة للدفاع عن الأحقية، والنجاح إلى معركة مستمرة لإثبات أن المرأة ليست مجرد وجه أمام الكاميرا، بل عقل قادر على التحليل، وصوت يصل ويبحث عن المعلومة الحقيقة، وقلم قادر على كشف ما لا يظهر في نتائج المباريات.
«الرياضية» تجري تحقيقًا موسعًا مع تسع إعلاميات وصحافيات عربيات، يروين تجاربهن في كسر الحواجز، وتغير واقع المرأة داخل المؤسسات الرياضية والإعلامية، وما الذي لا يزال ينتظرها من تغيير.
السعودية.. صناعة التحول
لم يكن التحدي في التجربة السعودية مقتصرًا على دخول المرأة إلى المجال الرياضي، بل امتد إلى تأسيس مساحات لم تكن موجودة من قبل، وبناء بيئة تستطيع فيها المرأة ممارسة الرياضة والعمل في مؤسساتها والمشاركة في إدارتها وصناعة قراراتها.
تستعيد لينا المعينا، اللاعبة وكاتبة الرأي ومؤسسة أحد المشاريع الرياضية النسائية، واحدة من أصعب مراحل تجربتها، حين قررت تأسيس مشروع رياضي للفتيات قبل توافر التشريعات والكوادر والمواقع التي تتيح ممارسة النشاط الرياضي بصورة منظمة.
لم يكن الطريق واضحًا، لكن لينا انطلقت من إيمانها بالريادة الاجتماعية وبالأثر الصحي والثقافي الذي يمكن أن تتركه الرياضة في المجتمع، مؤكدة أن أصعب ما واجهته كان تأسيس مشروع في بيئة لم تكن مهيأة بعد لاستقبال مثل هذه المبادرات.
وتستحضر التحولات التي شهدتها السعودية خلال الأعوام العشرة الماضية، منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، معتبرة أن دخول الرياضة إلى المدارس الحكومية، وحضور المرأة في الملاعب، وتوليها رئاسة اتحادات رياضية وعضوية مجالس إدارتها، ووصولها إلى مناصب قيادية، كلها مؤشرات على تحول تجاوز حدود الرياضة إلى المجتمع بأكمله.
وتقول إن الشعور بالإنجاز يأتي من كونها جزءًا من هذا التحول، مشيرة إلى استمرارها في ممارسة الرياضة وتنظيم بطولة كرة السلة التي امتدت لنحو 35 عامًا، إلى جانب عملها قرابة 10 أعوام في الاتحاد السعودي للرياضة للجميع، وشغلها منصب نائب رئيس الاتحاد.
وترى المعينا أن التحدي لم يعد مجرد إقناع المجتمع بأحقية المرأة في ممارسة الرياضة، بل المحافظة على المكتسبات، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتحويل الفرص الجديدة إلى مشاريع مستدامة.
لبنان.. تجربة نموذجية
تمثل تجربة الإعلامية اللبنانية ليليان تنوري نموذجًا لرحلة المرأة العربية في الإعلام الرياضي، إذ لم يكن الوصول إلى الشاشة كافيًا، بل تطلب منها إثبات جدارتها في مساحة ظلّت طويلًا مرتبطة بالرجال، وتستعيد تنوري بداياتها في قناة العربية 2023، حين كانت المرأة العربية الأولى التي تقدم أخبار الرياضة.
تقول ليليان: «شعرت أنني دخيلة على الرجال في هذا المجال، على الرغم من دعم زملائي ومساعدتهم لي، لكنني كنت أشعر بأن عليّ تقديم الكثير، وربما أكثر من طاقتي، حتى أثبت أنني على قدر المسؤولية، والحمد لله، تمكنت من أن أصبح علامة فارقة في الإعلام الرياضي العربي».
لم تكن الرياضة بالنسبة إلى تنوري مجرد مجال مهني اختارته، بل شغفًا امتد من حياتها الشخصية إلى تجربتها الإعلامية، مستفيدة من نشأتها في عائلة رياضية، ما جعلها أكثر قدرة على التعامل مع تحديات المجال.
وتقول: «الرياضة شغفي في الحياة، أنا من عائلة رياضية، لذلك كانت الأمور أكثر سهولة بالنسبة إليّ مقارنة بغيري، أحب الرياضة وأتابعها، ليس هناك أجمل من أن تتحدثي عن شيء تحبينه، الأهم أن تتحكمي بحياتك واختياراتك، سواء في حياتك الشخصية أو المهنية».
وتؤكد أن تجربتها في قناة العربية شكلت محطة مفصلية في مسيرتها، بعدما انتقلت من البرازيل إلى دبي للعمل في القناة، إذ وجدت بيئة مهنية متعددة الثقافات والخبرات.
وتوضح: «عشت في دبي أكثر مما عشت مع أهلي، أثرت تجربتي في العربية حياتي ومهنتي، وتدربت على أيدي أفضل الإعلاميين في العالم العربي، فالعربية بحر من الخبرات والثقافات المختلفة التي تثري الحياة والمهنة».
وعلى مستوى التغطيات الميدانية، ترى تنوري أن الفرص التي حصلت عليها أسهمت في ترسيخ حضورها، مشيرة إلى أنها غطت ثلاث نسخ من كأس العالم، إلى جانب كأس الخليج وكأس آسيا، فضلًا عن برامجها في الاستوديو.
وتضيف: «إذا كان المقصود بالفرص المتكافئة التغطيات الخارجية، فقد حصلت على فرصي كاملة، وقابلت أشهر اللاعبين في العالم، أما المنافسة مع المحطات العالمية التي تمتلك حقوق البث، فتحتاج إلى المهنية والجدارة والتميز، ونجحنا في مواجهة هذه التحديات على مدى 23 عامًا مع العربية».
وبين البدايات والتحولات التي شهدها الإعلام الرياضي العربي، ترى تنوري أن المرأة لم تعد مجرد حضور جديد في المشهد، بل أصبحت شريكًا في تغيير صورته وقواعده، بعد أن أثبتت الإعلاميات الرياضيات قدرتهن على تقديم المعرفة والتحليل والمحتوى المهني.
وتختم رسالتها للجيل الجديد بالتأكيد على أن الصورة النمطية التي ربطت المذيعة الرياضية بالمظهر بدأت تتراجع، قائلة:
«أثبتنا أن الرياضة، وخاصة كرة القدم والإعلام الرياضي، ليست حكرًا على الرجال، وأن المجال مفتوح لكل من يعطي أكثر، ويطور نفسه، ويثبت كفاءته. كانت الفكرة السائدة أن مذيعة الرياضة تعتمد فقط على شكلها، لكن هذه الصورة تغيرت بالفعل، ويمكنك اليوم أن تري الكثير من الإعلاميات الرياضيات اللاتي أبدعن في مجالاتهن».
الإمارات.. جهود مضاعفة
في الإمارات، كانت حصة الرياسي من الإعلاميات اللاتي دخلن المجال الرياضي في وقت كان فيه الحضور النسائي محدودًا، لتجد نفسها أمام تحدٍ يتجاوز مجرد الظهور الإعلامي إلى إثبات قدرتها على مناقشة الملفات الرياضية.
تصف حصة الريادة بأنها ليست مجرد أن تكون المرأة أول من يدخل مجالًا معينًا، بل أن تحافظ على النجاح والثقة والمكتسبات التي حققتها، مؤكدة أن اقتحامها مجالًا كان ذكوريًا بامتياز جاء لإثبات قدرة المرأة الإماراتية على صناعة الفارق.
وتستعيد مرحلة كانت فيها ثقة الشارع الرياضي أصعب ما يمكن اكتسابه، خاصة أنها كانت المرأة الوحيدة في محيط اعتاد أن يناقش القضايا الرياضية بأصوات الرجال، مشيرة إلى أن التعامل مع هذه النظرة تطلب جهدًا مضاعفًا وصبرًا وإصرارًا.
وتروي موقفًا مهنيًا بقي حاضرًا في ذاكرتها، حين رفض أحد المسؤولين المشاركة في برنامج كانت تناقش خلاله قضية وفاة أحد المتسابقين في إحدى الرياضات، فتركت كرسيه فارغًا وأشارت إلى غيابه خلال البث المباشر، على الرغم من وجود ستة ضيوف آخرين.
وتؤكد الرياسي أن الشفافية والمصداقية ليستا خيارين يمكن التنازل عنهما، وأن الإعلامية لا ينبغي أن تتردد في معرفة الحقيقة ومساءلة المسؤول الرياضي.
ورغم ما تحقق، ترى أن الإعلام الرياضي العربي لا يزال بحاجة إلى تعزيز الحضور النسائي، وتوسيع فرص المشاركة في البرامج والتغطيات الكبرى، مؤكدة أن رسالتها للإعلامية الشابة هي تطوير قدراتها واقتحام المجال، لأن الكفاءة هي التي يجب أن تحكم، وليس جنس صاحبها.
المغرب.. إثبات حضور ووصول
في المغرب، لم تكن البدايات سهلة أمام الصحافية حنان الشفاع، التي استحضرت مرحلة لم يكن فيها الجمهور معتادًا على مشاهدة الصحافيات الرياضيات داخل الملاعب، الأمر الذي جعل دخول المرأة إلى الميدان يتطلب عزيمة وإرادة، إلى جانب دعم الأسرة وثقة بعض الزملاء.
وتقول حنان إن التحدي لم يكن مهنيًا فقط، بل بدأ من ضرورة إقناع المحيط الاجتماعي بأحقية المرأة في ممارسة الصحافة الرياضية، مشيرة إلى أنها لم تحصل في بداياتها على فرص تغطية الأحداث الكبرى والمباريات المهمة، كما واجهت اعتراضات من بعض الأشخاص، في مقابل دعم آخرين كان لهم فضل في مسيرتها.
وترى أن المشهد تغير بصورة كبيرة، مع تزايد أعداد الصحافيات اللاتي فرضن أنفسهن بالعمل والكفاءة والحضور الميداني، مؤكدة أن الصحافية المغربية كانت من الرائدات عربيًا في العمل الميداني والتعليق على المباريات والتحليل الرياضي، فضلًا عن وصولها إلى مناصب إدارية، من بينها رئاسة الأقسام والمصالح الرياضية.
وتشدد الشفاع على أن الصحافية المغربية أصبحت تقف على قدم المساواة مع زميلها الرجل، وأن الفارق الحقيقي بينهما يكمن في العطاء والمنتج المهني، وليس في الجنس، لكنها تشير إلى أن طبيعة المهنة تفرض أثمانًا اجتماعية باهظة، بسبب متطلبات التفرغ والسفر ومواكبة الأحداث، وما يترتب عليها من عدم منح الأسرة الوقت الكافي.
وفي تقييمها للتحولات، ترى أن التقنية سهلت وصول الصحافيات إلى المعلومات والأخبار، ووسعت فرص العمل أمام من تمتلك الموهبة والدراسة والدقة، لكنها تؤكد أن التطور الحقيقي لا يقاس بعدد الصحافيات فقط، بل بجودة ما يقدمنه ووصولهن إلى مراكز القيادة والتغطيات الكبرى.
وتطالب بتحقيق المساواة في الأجور، وتعزيز الثقة بالإعلاميات ومنحهن فرصًا متكافئة للحضور في الأحداث الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها الألعاب الأولمبية وكأس العالم وكأس أمم إفريقيا، مشيدة بدعم المؤسسات الإعلامية والجمعية الوطنية للإعلام والناشرين في المغرب للصحافية الرياضية.
وتوجه الشفاع رسالة إلى الصحافيات الخليجيات، مؤكدة أن منح المرأة كامل الحق في العمل الميداني والحضور داخل الملاعب سيمنحها قدرًا أكبر من المهنية.
وتختتم رؤيتها بالتأكيد على أن الصحافة يجب أن تكون موهبة وشغفًا قبل أن تكون دراسة، وأن دخول المجال ينبغي أن يكون عن قناعة ومعرفة بأبجدياته، وليس لمجرد الظهور أو البحث عن الشهرة.
مصر.. من البدايات إلى الكفاءة
في مصر، دخلت إيمان عبد الهادي الصحافة الرياضية وهي تدرك أنها تخوض تجربة صعبة في مجال ظل لأعوام طويلة مساحة شبه مغلقة أمام النساء.
وتقول إن بداياتها لم تكن سهلة، وإنها شعرت أحيانًا بأنها تمارس عملًا لا يستسيغه البعض، خاصة حين اعترض بعض زملائها الرجال على تكليفها بتغطية النادي الأهلي، في موقف عكس الصورة النمطية عن المرأة في الصحافة الرياضية.
وتستعيد إيمان موقف ثابت البطل، مدير الكرة بالنادي الأهلي ـ يرحمه الله ـ، الذي استغرب في البداية وجودها، لكنه لم يقف عائقًا أمام عملها، بل سهّل مهمتها.
وترى عبد الهادي أن التحدي الأصعب لم يكن الوصول إلى المعلومة، بل بناء جسور الثقة مع المصادر وإقناعهم بأنها صحافية محترفة، وليست مجرد امرأة منبهرة بعالم اللاعبين والنجوم.
وتقول إن الثقة التي بنتها مع مصادرها وضعتها أحيانًا أمام معضلات مهنية، خصوصًا عندما يأتمنها مسؤول على معلومة سرية، بينما ترى أن نشر الحقيقة ضروري لحق القارئ في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرياضية السعودية
