بعد أكثر من عقد من الصراع المدمر، تقف سوريا عند مفترق طرق حاسم، حيث لا تقتصر تحديات إعادة الإعمار على إزالة الركام وإصلاح البنية التحتية، بل تمتد إلى معالجة الأزمات العميقة التي كرّست عدم الاستقرار. وفي قلب هذه الجهود، يبرز قطاع الزراعة، الذي كان شريان الحياة للاقتصاد السوري، لكنه اليوم يعاني تداعيات الحرب والنزوح والتغير المناخي.
ومع إعلان مؤتمر المانحين في الاتحاد الأوروبي عن تخصيص نحو 6 مليارات يورو، بينها 2.5 مليار يورو إضافية لسوريا والدول المجاورة لعامي 2025 و2026، تتجه الأنظار إلى التعافي المستدام. غير أن تقريراً لـ«معهد التنمية الخارجية» (Overseas Development Institute) يحذر من أن نجاح هذه الجهود لن يتحقق بمجرد ضخ الأموال، بل يتطلب معالجة الجذور العميقة للأزمات التي أوقعت البلاد في هذا الوضع، لتجنب تكرار أخطاء الماضي.
دور الزراعة في الاقتصاد السوري
قبل اندلاع الصراع، كان قطاع الزراعة يمثل جزءاً كبيراً من الاقتصاد السوري، حيث وفر فرص عمل لنحو 20% من القوى العاملة، وساهم في دعم 46% من السكان بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال إنتاج الأغذية.
كما شكلت الصادرات الزراعية نحو ثلث الاقتصاد التصديري للبلاد. إلا أن الدمار الناجم عن الحرب، والذي قُدِّر بنحو 16 مليار دولار حتى عام 2017، أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي بشكل كبير.
إلى جانب ذلك، انخفض عدد السكان في المناطق الريفية إلى النصف بين عامي 2011 و2016 بسبب النزوح، إضافة إلى تدمير أنظمة الري، وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، واستهداف الأراضي الزراعية.
الأمن المائي والمناخ وجذور الصراع
من بين أكبر التحديات التي تواجه إعادة إعمار سوريا تأتي مسألة الأمن المائي، فقد دمرت سنوات الحرب البنية التحتية للمياه في البلاد، حيث تضرر أو دُمر أكثر من نصفها، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي، ودفع 90% من السوريين إلى حالة من انعدام الأمن الغذائي والفقر المتفاقم.
لكن أزمة المياه في سوريا لم تبدأ مع الحرب، بل كانت نتيجة عقود من السياسات التي عززت استغلال الموارد بشكل غير مستدام، ما فاقم من هشاشة المجتمعات المحلية، فقبل عام 2011، اعتمد الاقتصاد الزراعي السوري بشكل كبير على أنظمة الري الكثيفة الاستهلاك للمياه، حيث شجّعت السياسات على الإفراط في استغلال الموارد المائية، ما أدى إلى استنزافها وجعل المجتمعات أكثر عرضة للصدمات المناخية.
كما أن قرارات مثل خفض الدعم على الوقود ومدخلات الإنتاج الزراعي، إلى جانب القيود المفروضة على حقوق الأراضي، زادت التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية وأجّجت التوترات. وعندما ضرب الجفاف الحاد البلاد، أدت هذه العوامل إلى فقدان ملايين السوريين سبل عيشهم، وساهمت في تصاعد الاحتجاجات التي تحولت لاحقاً إلى صراع واسع النطاق.
التحديات المناخية واستراتيجيات التكيف
يشكل تغير المناخ تهديداً إضافياً للتعافي الاقتصادي في سوريا، إذ شهدت البلاد موجات جفاف شديدة وأنماط هطول أمطار غير منتظمة، ما فاقم شح المياه، وأدى إلى انخفاض المحاصيل.
وبين عامي 2020 و2022، تراجعت معدلات هطول الأمطار في بلاد الشام بنسبة وصلت إلى 95% عن المتوسط، ما تسبب في نقص واسع النطاق في الغذاء والمياه، وبحلول ذلك الوقت، لم يكن لدى نحو 6.9 مليون سوري إمكانية الوصول إلى مصدر المياه الرئيس لديهم سوى ليومين إلى سبعة أيام شهرياً.
استعرض تقرير لمركز الأمن والتنمية التابع لـ«مركز ويلسون» (Wilson Center) الأميركي، التحديات التي تواجه إعادة الإعمار في سوريا، مشدداً على ضرورة تبني استراتيجيات مستدامة تعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتحد من المخاطر البيئية والسياسية.
وأكد التقرير أن التعافي الاقتصادي يتطلب إعادة النظر في السياسات المائية والزراعية، إذ لم يعد ممكناً الاعتماد على النموذج السابق الذي ركّز الموارد المائية على الري واسع النطاق للمزارع التجارية، بل لا بد من تبني استراتيجية أكثر تنوعاً واستدامة.
ويعد دعم المزارعين الصغار، الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد الريفي، خطوة أساسية لتحقيق ذلك من خلال تحسين تقنيات الري، وتوفير البذور المقاومة للتغيرات المناخية، وتعزيز الشمول المالي، ما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي واستقرار المجتمعات الريفية.
وفيما يتعلق بالبنية التحتية، فإن الاستثمارات في قطاعات الكهرباء والنقل وتكنولوجيا المعلومات وإدارة النفايات ستحدد مسار التعافي الاقتصادي في سوريا، غير أن نجاح هذه الاستثمارات يعتمد على رؤية طويلة المدى تضمن استدامتها وقدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية.
فالمشاريع غير المدروسة قد تؤدي إلى استمرار التحديات بدلاً من معالجتها، في حين أن التركيز على الطاقة المتجددة، مثل الشمسية والرياح، يمكن أن يقلل الاعتماد على الوقود المستورد، ويحد من الأعباء البيئية، ما يعزز الاستدامة على المدى الطويل.
كما أشار التقرير إلى ضرورة دمج تقييمات مخاطر المناخ في جميع مشاريع إعادة الإعمار، إذ من المتوقع أن تؤدي ارتفاع درجات الحرارة وزيادة حدة الجفاف إلى تعقيد جهود التعافي. ومن أجل ضمان استدامة المشاريع الكبرى، لا بد من إجراء دراسات تقييمية تأخذ في الاعتبار توافر الموارد المائية، وتدهور التربة، واستدامة التوسع العمراني، وغيرها من العوامل البيئية الحاسمة التي قد تؤثر في نجاح إعادة الإعمار على المدى الطويل.
رؤية مشتركة
لكي تبني سوريا مستقبلاً أكثر صموداً، أكد تقرير «معهد التنمية الخارجية» أهمية تنسيق جهود الجهات الفاعلة في إعادة الإعمار ضمن رؤية مشتركة، إذ لطالما عملت قطاعات التنمية والمساعدات الإنسانية وبناء السلام والتكيف المناخي بمعزل عن بعضها، ما أدى إلى فجوات في تنفيذ البرامج.
ويعد تعزيز الحوكمة والمؤسسات إحدى الركائز الأساسية لضمان الشفافية والمساءلة في إنفاق أموال إعادة الإعمار، إلى جانب تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتعظيم الاستفادة من الاستثمارات في البنية التحتية، مع ضرورة أن تكون هذه الاستثمارات متوافقة مع الأولويات الوطنية.
كما أن إشراك المجتمعات المحلية في عملية صنع القرار يعد عنصراً جوهرياً لضمان استجابة جهود إعادة الإعمار لاحتياجات السكان، في حين أن تنويع الاقتصاد يشكل خطوة ضرورية لتقليل الاعتماد على الزراعة وإيجاد فرص عمل جديدة في قطاعات مثل التكنولوجيا والصناعة والخدمات، ما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس