خفض ديون مصر.. خطة حكومية طموحة «لا تخلو من تحديات»

فتح حديث رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي بشأن خطة لخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ نحو 50 عاماً، تساؤلات واسعة بشأن كيفية إتمام ذلك ومصادره وإمكانية نجاحه في ظل أزمات اقتصادية متتالية يشهدها العالم ولم تكن القاهرة بمنأى عنها منذ جائحة كورونا في 2020.

طرحُ هذا المسعى يراه خبراء اقتصاد بينهم عضو لجنة استشارية اقتصادية حكومية، تحدثوا لـ«إرم بزنس» خطة طموحة، قد تشمل حلولا عديدة منها المبادلة أو زيادة الإنتاج، أو حصيلة بيع وهيكلة لأصول، لكن لا تخلو من تحديات أثناء التنفيذ، سواء في توفر المصادر وعدم إضرارها بجوانب مالية أخرى أو بتصنيف مصر.

وارتفع الدين العام للحكومة إلى قرب 15 تريليون جنيه بنهاية العام المالي الماضي المنتهي في يونيو 2025، وفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي فيما ارتفع الدين الخارجي لمصر لـ161 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي، وفق بيانات البنك المركزي المصري.

«المركزي المصري» يخفض سعر الفائدة الرئيسي بواقع 100 نقطة أساس

حديث غير مسبوق

وفي 24 ديسمبر الماضي، قال مدبولي، في مؤتمر صحفي، إن الحكومة تعمل على النزول بأرقام حجم الدين إلى أرقام لم ترها الدولة من 50 عاماً، لافتا إلى أن حجم الدين من الناتج المحلي انخفض إلى 84% مقابل 96% قبل عامين، دون كشف تفاصيل أكثر.

وأثار حديث مدبولي تساؤلات واسعة كان أبرزها في 27 ديسمبر الماضي، حديث الإعلامي محمد علي خير، عبر برنامجه المتلفز، لافتاً إلى أن تحقيق أكبر انخفاض لنسبة الدين في تاريخ مصر الحديث يتطلب أحد «سيناريوهين» لا ثالث لهما.

وأوضح خير أن السيناريو الأول يتمثل في «السداد الكاش»، موضحاً أن إ جمالي مديونية مصر يقدر بنحو 380 مليار دولار، بينما الناتج القومي يقارب 420 مليار دولار، ما يجعل نسبة الدين تتجاوز 85%، وللوصول بهذه النسبة إلى 45%، تساءل خير: «هل تمتلك الحكومة سيولة دولارية (كاش) تقدر بـ190 مليار دولار لسداد نصف المديونية فوراً؟»، معرباً عن شكوكه في توافر هذا الرقم الضخم في الوقت الحالي.

وأوضح أن السيناريو الثاني هو مضاعفة الإنتاج، مضيفاً: «يكمن رفع قيمة الناتج القومي الإجمالي بشكل كبير، ليقفز من 420 مليار دولار إلى نحو 550 مليار دولار، حتى تصبح قيمة الدين الحالية تمثل النسبة المستهدفة، لكن هذا الصعود لا يأتي بسهولة، خاصة وأن الناتج القومي بالدولار ثابت تقريباً منذ 10 سنوات».

وكشف خير أنه توجه بسؤال مباشر لمصادر حكومية حول ما إذا كانت الدولة تخطط لبيع أراضٍ أو أصول لتوفير السيولة اللازمة لخفض الدين، مؤكداً أن الإجابة جاءت بالنفي القاطع: «قالوا لي لأ.. وممنوع»، ووسط ذلك الغموض، دعا لترقب ما وصفها بالخطة السحرية أو الآلية التفصيلية لتحقيق هذا التخفيض التاريخي في معدلات الدين، قائلاً: «ننتظر الأيام القليلة القادمة لنعرف كيف ستفعلها الحكومة».

ووسط ذلك الجدل أعاد رجل الأعمال المصري، حسن هيكل، عبر حسابه بمنصة إكس، مقترحه المثير للجدل قبل عام والذي يستهدف محو الدين العام المحلي بشكل كامل، تحت مسمى «المقايضة الكبرى»، بنقل ديون الحكومة، إلى البنك المركزي المصري مقابل حصول الأخير على أصول لا تدر دخلاً، وتساءل: «هل هي الحلول التي ستتخذها الحكومة؟».

وأوضح هيكل أن الحل هو بيع أصول الدولة للبنك المركزي الذي يمتلك السيولة، مقابل استثمارات الدولة، مع تصفير الدين العام المحلي، ووضع الأصول في صندوق سيادي تُدار أصوله بطريقة محترفة، على أن توظف ميزانية الدولة المحررة من الفوائد في برامج التأمين الصحي، والتعليم المتقدم، والبحث العلمي، وحل مشاكل القطاعات الإنتاجية.

رجل يمر أمام مكتب صرافة في القاهرة، مصر، في يوم 12 أكتوبر 2016

حلول محتملة

غير أن هذا الحل لم يكن ضمن مسار توقعات رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي، في حديث مع «إرم بزنس»، قائلاً إنه بافتراض أنه قد تم التجديد لمدبولي وتم اعتماد حكومته من مجلس النواب عقب انعقاد البرلمان الجديد؛ فإن الحديث عن خفض الديون إلى مستويات غير مسبوقة كنسبة من الناتج المحلي يدفع للتساؤل: كم تبلغ هذه النسبة؟. وعلى مدار كم سنة سيتم ذلك؟، مجيباً: «هو لم يفصح».

لكن الشافعي يعود للإحصائيات قائلاً: «بالنظر إلى الأرقام، حيث تصل نسبة الدين الخارجي للناتج المحلي الإجمالي حالياً ما بين 86% و88%؛ فإلى أي رقم سيصل بها؟ هل ستصبح 50%؟ أم سيتم إزالة الدين؟ أم ماذا سيفعل تحديداً لنستطيع القول بأن الدين سيبقى موجوداً أم لا؟».

ويعتقد أن «مصر تستطيع بما لديها من إمكانيات، ولكن الأمر كله يتطلب وجود رؤية متكاملة، يستطيع من خلالها رئيس الوزراء، أو أي شخص يطلع على هذه الرؤية والخطة، أن يتأكد فعلياً أن هذه الخطة الطموحة لخفض الدين قابلة للتنفيذ».

وتطرق للحلول متسائلاً: «هل يرى أنه سيعالج هذه الديون بديون أخرى؟ وهل لديه مصادر للسداد أم لا؟ وهل يستطيع أن يحقق قفزة تمنع وجود عجز في الميزان التجاري؟ هل سيقوم بزيادة الصادرات؟ هل سيزيد أعداد السائحين؟ وهل سيعمل على زيادة المصادر الرئيسية للدولار؟ وهل لديه شركات سيتم تخارج الحكومة منها وبيعها بشكل يحقق انتفاضة اقتصادية؟ وهل سيتمكن من إجراء إعادة هيكلة للوزارات؟».

وأضاف رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي أن «ما طرحته بين التساؤلات هي حلول الممكنة، ولا يوجد حل بخلاف ذلك، ولكن رئيس الوزراء لم يعلن عن طريقته أو عن خطته بعد».

ونبه إلى أن «الحديث عن خطة لخفض الدين كنسبة يدفع للسؤال: عبر أي طريق؟ هل طريق استبدال الديون؟ أم طريق زيادة الإيرادات؟ أم خفض المصروفات؟ أم طريق قروض جديدة؟ وأيضاً هل يعني ذلك تسوية هذه القروض بقروض أخرى؟» مضيفا: « كل هذه علامات استفهام تُطرح حول هذه الخطة لنستطيع أن نحسم إذا كانت خطة قابلة للتنفيذ أم لا».

وأكد أن «الاقتصاد المصري يستوعب مزيجاً من الخطط القادرة على التصدي لمشكلة الديون والقضاء عليها تماماً».

مصر تؤمّن 140 مليون دولار لمشروع السيليكون المعدني في العلمين الجديدة

إجراءات متكاملة

وفي ظل هذا الغموض، عادت «إرم بزنس» إلى استطلاع رأي عضو اللجنة الاستشارية الاقتصادية في مجلس الوزراء والخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع.

وبحسب نافع، فإنه «ليس ثمة مساراً سهلاً لخفض الدين العام ولكنها إجراءات متكاملة تبدأ بمحاصرة روافد الدين وخاصة الإنفاق العام الاستثماري الذي بدأت الدولة في حوكمته».

وهناك في جهود إعادة هيكلة الدين ما تشتمل عليه من إطالة أمده وتنويع مصادره وتخفيف عبء خدماته وهناك أيضاً جهود زيادة الناتج المحلي الإجمالي وصافي الصادرات وهما من أبرز المتغيرات التي ينسب اليها الدين العام والخارجي على التوالي، وفق نافع.

وعلى سبيل «الإجراءات الاستثنائية للتخلص المعجّل من رصيد الدين القائم» خصّصت الحكومة نصف إيرادات صفقات كبرى أولها رأس الحكمة نحو سداد الدين وعززت من اللجوء إلى التسهيلات والقروض الميسرة الهادفة إلى دعم الموازنة عوضاً عن تمويل المشروعات، يوضح نافع.

وقال نافع: «حينما كنت أذكر حلولاً غير تقليدية للتخلص من رصيد مديونية دول الجنوب على غرار ما تم باستخدام سندات بريدية في دول أميركا اللاتينية أو اتفاقية لندن عام 1953 مع ديون ألمانيا اشترطت لنجاح ذلك أن تتم إعادة الهيكلة للديون القائمة عن طريق التفاوض وبتشكيل كتلة تفاوضية من دول الجنوب المتضررة من تضخم فاتورة الديون للتوصل إلى حلول جماعية لا تشمل أي اعتراف ضمني بعدم القدرة الكاملة على السداد من شأنه الإضرار بسمعة مصر. وقال إن أي حلول تقليدية تستغرق وقتاً وجهداً كبيراً خاصة الحلول الفردية».

وأضاف: «اليوم أي حديث عن مبادلة للدين يجب أن يأخذ في الاعتبار مخاطر ما يطلق عليه ضبابية التوقعات وهو ما يهدد قدرة الدولة على الاقتراض مستقبلاً ويضر بتصنيفها الائتماني وبالتالي مبادلة الديون بأصول ما إن تمت بالتراضي بين طرفي العملية الدائن والمدين ولم تتضمّن ارتفاعاً في تكلفة المشاركة عن تكلفة الدين فإنها تكون مقبولة».

ونبه نافع إلى ضرورة عدم توريط الجهاز المصرفي في عمليات واسعة لمبادلة ما تحتفظ به من أوراق دين بأصول صعبة التوريق حتى لا تنتقل العدوى إلى الجهاز الأكثر استقراراً في الاقتصاد.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 13 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 13 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 10 ساعات