النظام في مأزق.. لماذا تختلف احتجاجات إيران الحالية عن سابقاتها؟

موجة الاحتجاجات التي تتواصل في إيران لليوم الـ5 على التوالي، نتيجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المأزومة وفي ظل سياق سياسي، إقليمي ودولي، يعاني فيه نظام "الولي الفقيه" عزلة وفقدان شبكاته ووكلائه الإقليميين ضمن تبعات ما بعد حرب غزة، تؤشر إلى واقع جديد يختلف بالكلية عن السوابق التاريخية المماثلة سواء كانت بفعل اقتصادي كما هو الحال في تظاهرات عام 2019 أو حقوقي عام 2022 أو سياسي مع "الحركة الخضراء" في 2009.

عدوى التمرد

وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن التظاهرات الحالية في إيران تشهد متغيرات جمّة، منها امتلاك وعي تنظيمي بخلاف المرات السابقة التي كانت الاحتجاجات مجرد رد فعل مؤقت، وكذلك انتقال عدوى التمرد إلى فئات اجتماعية متفاوتة بما فيها طبقة "البازار" والتجار وهم بالعادة من القوى المجتمعية والطبقية التي تعد داعمًا تقليديًا للنظام.

اللافت أن الحكومة الإيرانية تبدي مرونة براغماتية في التعاطي مع الحراك الراهن عبر خطابها الرسمي. غير أن الجناح الأصولي والمتشدد داخل النظام يميل إلى المواجهة الخشنة وفرض القبضة الأمنية من دون التماس أي بدائل أخرى سياسية، وذلك بتعميم خطاب آخر على النقيض يتبنى نبرة التخويف والتهديد فضلًا عن الاتهام التقليدي بـ"العمالة".ولإن صرحت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني أن الحكومة تعترف بالتظاهرات المعترضة على تدني الوضع المعيشي والاجتماعي بفعل الغلاء، فإن المدعي العام محمد كاظم موحدي آزاد هدّد بالتصدي الـ"حاسم" إذا ما تحولت الاحتجاجات إلى "أداة لزعزعة الاستقرار وتدمير أملاك عامة، أو تنفيذ سيناريوهات أُعدت في الخارج"، وفق ما ذكرت وكالة أنباء "إرنا" الرسمية أمس.

كما أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي أعلن عن وجود أزمة وبحاجة إلى الاصطفاف للخروج من المأزق، قدحذر، في الآن ذاته، من الأطراف التي قد توظف الاحتجاجات لمواصلة ضغوطها على إيران. وقال: "نحن في وضعٍ يمارس فيه أعداء البلاد ضغوطاً علينا، وللأسف، قد تُؤدي بعض المواقف والإجراءات داخل البلاد إلى إضعافها وإلحاق الضرر بها".التعامل الأمني

وفي حديثه لـ"المشهد" يقول المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن، إن الاحتجاجات الحالية تختلف جذريًا عن احتجاجات 2018–2019 واحتجاجات 2022 المعروفة بثورة جينا مهسا أميني. وأضاف عبد الرحمن في حديثه لـ"المشهد": "الاحتجاجات السابقة كانت في معظمها ردود فعل عاطفية على أحداث محددة، بينما تأتي هذه الاحتجاجات بعد مطالبات وتحذيرات متراكمة، وبطابع أكثر وعيًا وتنظيمًا".

اللافت أن الحراك هذه المرة يمسّ مختلف الطبقات الاجتماعية، بما فيها طبقات كانت تُعدّ من الداعمين التقليديين للنظام، وعلى رأسها طبقة "البازار"، التي لعبت، تاريخيًا، دورًا محوريًا في إسقاط نظام الشاه، وهي اليوم تحتج على النظام القائم، وفق ما يشير عبد الرحمن.

وقال "من هنا، يرجح أن تكون هذه الاحتجاجات "أكثر استمرارية"؛ لأن أي تعامل أمني خشن مع القاعدة الاجتماعية الداعمة للنظام سيكلفه ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا مرتفعًا".كما أن النظام الإيراني لا يمتلك هذه المرة الأدوات الكافية للسيطرة على الاحتجاجات، وذلك لعدة عوامل، وفق المحلل السياسي الإيراني، منها:

ارتفع مستوى الوعي لدى الشارع الإيراني بشكل ملحوظ، خصوصا أن الاحتجاجات انطلقت من الطبقة الواعية والمتعلّمة، بدءًا من "البازار" وصولًا إلى الجامعات. وهذا يجعل التعامل معها مختلفًا، إذ لا يستطيع النظام استخدام القوة المفرطة ضد هذه الفئات دون كلفة عالية.يفتقر النظام إلى حلول حقيقية للمطالب الأساسية التي يرفعها المحتجون، وعلى رأسها تدهور الوضع المعيشي والأزمة الاقتصادية المتفاقمة.انكسر حاجز الخوف لدى الشارع الإيراني بشكل عام، ما يفتح المجال أمام اتساع رقعة الاحتجاجات بدلا من احتوائها.أما الحديث عن الحوار مع المحتجين، فيصطدم بحقيقة عدم وجود نقابات أو أطر تمثيلية يمكن للنظام التفاوض معها، بحسب ما يوضح المصدر ذاته، إذ إن الاحتجاجات ذات طابع شعبي عام، تشمل مختلف فئات المجتمع، من الطبقة العاملة وصولًا إلى الطبقة المترفة. وبناءً على ذلك، تبدو خيارات النظام الإيراني في التعامل مع هذه الاحتجاجات محدودة وصعبة، وربما أكثر تعقيدًا من أي مرحلة سابقة.

نقطة اللا عودة

من جهته، يقول عضو "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" مهدي عقبائي، إن الانتفاضة التي تجتاح المدن الإيرانية ودخلت يومها الـ5 على التوالي، تؤكد أن "جدار الخوف قد انهار بالكامل وأن الشعب الإيراني، بجميع فئاته وشرائحه، عازم أكثر من أي وقت مضى على إسقاط الديكتاتورية الدينية الفاشية الحاكمة في طهران".

وقال عقبائي لـ"المشهد": "إن اتساع رقعة الاحتجاجات من بازار طهران الكبير وأسواق الذهب، التي أغلقت أبوابها في تحدٍ صارخ للسلطة، إلى الجامعات العريقة في طهران وشريف، ووصولها إلى مدن مثل فسا وشيراز وأصفهان وكرمانشاه، يثبت فشل إستراتيجية الرعب والقمع التي يمارسها نظام المرشد الإيراني".

يتفق والرأي ذاته المعارض الإيراني علي صفوي، والذي يرى أن الاحتجاجات وصلت إلى "نقطة اللا عودة"، موضحًا لـ"المشهد" أن "الانهيار الاقتصادي غير المسبوق والسقوط الحر للعملة الوطنية ليس مجرد أزمة إدارية، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات هذا "النظام الذي ينهب ثروات الشعب الإيراني وموارده لتمويل وكلائه الإقليميين والميليشيا الولائية في المنطقة، من اليمن إلى لبنان وسوريا وحتى العراق".إلى ذلك، يوضح الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) الدكتور محمد حمدي أبو القاسم أن علامات تصدع النظام الإيراني بدأت تظهر بقوة خلال الفترة الأخيرة، على عدة مستويات، بما يؤكد تراجع شرعية الأيديولوجيا التي تنبني عليها سياساته وحكمه.

ويقول أبو القاسم لـ"المشهد": يمكن الإشارة إلى الانقسام السياسي الراهن بين التيارات السياسية المؤيدة لـ"ولاية الفقيه"، والفجوة الكبيرة القائمة والاتهامات المتبادلة بين الإصلاحيين والمحافظين، حول المسؤولية عن الأوضاع المتدهورة التي وصلت إليها البلاد، والتي طالت المرشد نفسه، إذ شارك في الحملة رموز مهمة من المحسوبين على النظام منهم الرئيسان السابقان محمود أحمدي نجاد وحسن روحاني".

بل طالب بعضهم بتغيير النظام السياسي وجهازه المفاهيمي، بمعنى الانتقال إلى "منهج جديد مختلف في الأسس والمرجعيات وآليات العمل"، وفق ما يذكر أبو القاسم.

ويختتم الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية حديثه قائلا: "لم يعد النقد مقتصرًا على المعارضة المهمشة بالأساس، بل جاءت الانتقادات من قلب النظام، وتزايدت حدتها بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي الأخير على إيران، ويُعدّ هذا الوضع أحد مؤشرات ضعف النظام بعد أكثر من 4 عقود ونصف".(المشهد)۔


هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من قناة المشهد

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ ساعتين
قناة العربية منذ 11 ساعة
قناة العربية منذ 17 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 9 ساعات
قناة يورونيوز منذ 14 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 14 ساعة
قناة العربية منذ 15 ساعة