10 سنوات على رحيل آسيا جبار

في الذكرى العاشرة لرحيل الروائيّة الجزائريّة الكبيرة آسيا جبّار (1936 - 2015)، يطلّ علينا اسمها بكلّ ما يؤشّر إليه من دلائل رمزيّة أدبيّة وفكريّة رفيعة، ومن حضور إنسانيّ مبدع ونبيل يظلّ ينساب عَبْرَ كلمات رواياتها وقصصها القصيرة وقصائدها ومسرحيّاتها وكذلك صور أفلامها، خصوصًا التسجيليّة منها، التي لم تَفقد بريقَها ووظائف مضامينها بالرغم من تراكُم الأيّام والسنين.

كانت آسيا جبّار (وهو في المناسبة الاسم المستعار الذي اختارته بدلًا من اسمها الحقيقيّ: فاطمة الزهراء إمالهايين) ترى في الكتابة وسيلتَها الأنْفذ لمُواجَهة الموت والفناء، والتقدُّم بالتالي أكثر وأكثر نحو الحياة والتأجيل، ولو قليلًا، للحظة الغياب الحتميّة.

كما أنّها تَكتب على أمل أن تَترك «أثرًا ما، ظلًّا، نقْشًا في الرّمل المتحرّك، في الرماد الذي يطير، وفي الصحراء التي تصعد» (من روايتها «لا مكان في بيت أبي»).

وهكذا فالكتابة لديها لم تكُن مجرّد مُمارَسة إبداعيّة أو هواية بذاتها أو لذاتها، بل تحوّلت إلى فضاءٍ وجوديّ نافذ، تطلّ منه على عوالِم أخرى تتقاسمها مع شخصيّاتٍ تَبتكرها وتَمنحها حضورًا ومساحاتٍ فاعلة ومُتفاعِلة من شأنها أن تُخفِّف عنها ثقلَ الواقع وصدماته.

كما أنّ الكتابةَ تساعدها، بل تَدفعها لأن تَمنحَ الآخرين حيواتٍ جديدة من شأنها تثبيت حضورهم ليكونوا على الضدّ من الإهمال والتهميش، بخاصّة أولئك النسوة الصامتات المنطويات على أنفسهنّ واللّائي لم تُتَح لهنّ فُرص التعبير عن مكنوناتهنّ. كانت صاحبة «القبّرات الساذجات» تَستحضر، مثلًا، الأمّهات والجدّات والنساء المقموعات، تَجلس معهنّ، تُحاورهنّ، تَستنطق صمتهنّ الطويل، تفتح لهنّ بابَ البَوح الذي حُرِمْنَ منه في واقعهنّ المعقّد والمعزول.

ومن هنا نرى أنّ أدبَها ارتبطَ بالمرأة الجزائريّة بشكلٍ عضوي، وتحوَّلت نسوةُ بلادها إلى بطلاتٍ لمعظم أعمالها الروائيّة والقصصيّة. كما أنّ آسيا جبّار جَعلتْ من سيرتِها الذاتيّة وتجاربها الفرديّة مرآةً للذاكرة الجماعيّة، وسلاحًا لكسْرِ جدار الصمت وإعادة كتابة التاريخ الجزائريّ ومنطقة المغرب العربيّ بصورةٍ تَستهدف تصحيحَ الحاضر والانطلاق نحو مُستقبلٍ جديد ومتطوّر.

إذًا، لم يكُن أدب آسيا جبّار مجرّد مُحاكاةٍ نقديّة للواقع أو وصفٍ مُرٍّ لمُعاناة النساء، بل كان في جوهره فعلَ مُقاوَمة، لأنّ الكاتبة التزمتْ منذ بداياتها بقضيّتها الأولى، قضيّة الوطن والتحرُّر من الاستعمار الفرنسي، وكَتبت من مَوقع الانتماء إلى الأرض والتاريخ، ومن مَوقع الإيمان العميق بالحريّة. ومع الالتزام بالوطن، التزمَتْ، كما أَسلفنا، بالمرأة والمُهمَّشين وعَكَسَتْهُم حضورًا نابضًا في نصوصها، وخلَقت لهم ذاكرةً مضادّة للنسيان، فمَزجت بين السرد والتاريخ وبين الشهادات الحيّة والوثائق والأصوات، لتَصنعَ أدبًا يَجمع بين الذّاتيّ والجمعيّ، بين الخاصّ والعامّ، وبين السيرة الواقعيّة وأمداء الخيال.

ولا غَرْوَ، فقد وُلدت كاتبتُنا الكبيرة في زمنٍ كانت الجزائر فيه تَرزح تحت وطأة الاستعمار الفرنسي. ومنذ ذلك الوقت بَدأت رحلتُها المُتحدّية التي ستَجعل منها واحدةً من أبرز الأصوات الأدبيّة والوطنيّة، ليس في بلدها الجزائر ومنطقة الشمال الأفريقيّ فقط، وإنّما على مستوى أوروبا والعالَم، وهي التي يُقال فيها إنّها الكاتبة التي نَقلتِ الروايةَ الجزائريّة بجدارةٍ إلى ضفاف العالميّة.

ولأنّها كانت تَكتب بلغةٍ فرنسيّة فائقة التوهُّج والخصوصيّة، مُتميّزةً في ذلك حتّى عن فرنسيّة الكثير من أديبات فرنسا الكبار وأدبائها، فقد مَنحتها الأكاديميّة الفرنسيّة عضويّةَ الشرف في سجلّاتها الذهبيّة، وكانت بذلك أوّل امرأة عربيّة تَحظى بهذا الشرف، وخامس امرأة على مستوى العالَم تَدخل الأكاديميّة التي يفخر بها الفرنسيّون ويَعتبرونها تاج هويّتهم اللّغوية والإبداعيّة ويُطلقون عليها اسم «مؤسّسة الخالدين». ومن هنا جاء احتفاءُ الرئيس الفرنسي جاك شيراك بدخول آسيا جبّار الأكاديميّة الفرنسيّة في العام 2005 قائلًا وبالحرف الواحد من ضمن ما قال: «لقد اختارتْ آسيا جبّار أن تسكن لغتَنا بصورة رائعة، فأهلًا بها وبجهودها المشهودة والمميَّزة في هذا المضمار».

عودة إلى السرد

وحول لغتها الفرنسيّة الاستثنائيّة وأسلوبها السرديّ الذي يُذكّرنا بأجواء كاتبات فرنسيّات من طراز: سيمون دو بوفوار، وجورج ساند، وفرنسواز ساغان، وسيدوني غابرييل كوليت، وآني إرنو وغيرهنّ.. وغيرهنّ، يقول الناقد والروائي الجزائري د. حبيب مونسي: «إنّنا حين نَقرأ كتابتها نتحسّس ذلك التألُّق البهيّ في اختيار اللّفظ، وتلك الرشاقة الأرستقراطيّة في سبْكِ العبارة، وذلك الفضاء المُشرِق الذي يَسبح فيه الخيال، فقد استطاعتْ أن تَستجمعَ في لغتِها جماليّات كثيرة من «الفلوبيريّة» إلى «البروستيّة» مع مزيجٍ من شعريّة «مالارميه» يَتخلّل بُنى جملها القصيرة ويوقّعها».

أَصدرت آسيا جبّار روايتها الأولى «العطش» في العام 1957 (عن دار جوليار الفرنسية) وكانت لم تَتجاوز بعد سنّ العشرين، وتوالت أعمالُها مثل «عديمو الصبر» - 1958 و«أطفال العالَم الجديد» - 1962 و«القبّرات الساذجات» - 1967. ثمّ توقّفت عن الكتابة الروائيّة لتجرِّب أشكالاً إبداعيّة أخرى، فأصدرت مسرحيّة «أحمر لون الفجر» - 1969، ومجموعة شعريّة بعنوان «من أجل جزائر سعيدة» - 1971، ثمَّ أَنجزت فيلمَها الروائيّ الطويل: «نوبة نساء جبل شنوة» - 1977، الذي أَعاد تقديم التراث الموسيقيّ والغنائيّ النسائيّ في جبل شنوة. ثمّ فيلمها الوثائقي أو التسجيلي: «الزردة وأغاني النسيان» - 1978.

بعد هذه التجارب الإبداعيّة السينمائيّة، عادتْ آسيا جبّار إلى السرد بقوّة ومن خلال مجموعة «نساء الجزائر في بيوتهنّ» - 1980، المُستوحاة من لوحة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
صحيفة سبق منذ 12 ساعة
صحيفة عاجل منذ 10 ساعات
صحيفة عاجل منذ 9 ساعات
صحيفة الوطن السعودية منذ 15 ساعة
صحيفة عاجل منذ 10 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ 8 ساعات
صحيفة سبق منذ 6 ساعات
صحيفة الوئام منذ 14 ساعة