المونتاج السينمائي من كوليشوف إلى زمن الخوارزميات

خلال عشرينيّات القرن الماضي، كان المُنظِّر والمُخرِج الروسيّ لييف كوليشوف (1899 - 1970) وهو شاب، يُجرِّب ما يَتجاوز حدود التفكير التقنيّ الذي طَبَعَ العقودَ الأولى من تاريخ السينما، ما أدّى به إلى الاشتبكاك مع إشكالٍ جوهريّ يَمسّ تلقّي الصورة وتأويلَها لا التقاطها فقط، أو تخليدها زمنيّاً، فكان التساؤل الذي طَرَحَه: هل يكمن موضوع الصورة في ما تَعرضه؟ أم في ما يسبقها ويتلوها؟ أي في ترتيب الصور بعضها ببعض؟

لم يكُن كوليشوف حينها يَمتلك إمكانات التصوير أو الإنتاج كما حَصَلَ مع مَن جاؤوا بعده، لكنّه امتلكَ حدسًا نظريًّا مبكّرًا، جَعَلَهُ يَقترح تجربةً ستُغيِّر في تاريخِ السينما برمّته. ففي أثناء تصدّرِهِ لأوّل دَورات السينما في المدرسة الوطنيّة للسينما في الاتّحاد السوفياتي، واجَهَ المُشاركين في الدورة بلقطةٍ لوجهِ مُمثِّل، تُركَّب إلى جانبِ صورٍ مُتباينة: طَبَقُ حساءٍ أوّلًا، ثمّ جثّة ثانيًا، ومع صورة امرأة مُستلقيَة أخيرًا، فكان المُشاهدون يُغيِّرون تفسيرَهم لهذا التركيب في كلِّ مرّة. فالوجه عبَّر عن الجوع في المرّة الأولى، والحزنِ في الحالة الثانية، والرغبةِ في الحالة الأخيرة، مع أنّ الصورة الرئيسة لم تتغيَّر، بحيث كانت دائمًا ملامح مُحايِدة لوجهِ مُمثِّل... هكذا وُلد ما صارَ يُعرف لاحقًا بـ «تأثير كوليشوف»، لا بوصفه تطوُّرًا تقنيًّا فحسب، بل تحوّلاً إدراكيًّا في فَهْمِ المونتاج، فلَم يَعُد التتابُعُ البصريّ مجرّد ربْطٍ بين لَقطات، بل أَصبح مساحةً يتمّ فيها صنْع المعنى، وتوجيه الانفعال، وإعادة تركيب الواقع.

واليوم، في زمنٍ تتوالى فيه الفيديوهات القصيرة، والمقاطع المبتورة من سياقِها، والتقطيع الخوارزمي، تعود هذه الفكرةُ الأولى لتَطرحَ نفسَها من جديد، ولكنْ في سياقٍ مُغايِر:

ما الذي نراه من العالَم اليوم؟ أهي صور الحقيقة؟ أم المعنى النّاتج عن الإبداء والإخفاء والتلاعُب؟ هل نعيش الحقيقةَ أم الوهْم؟

لم يكُن تأثير كوليشوف سوى الشرارة الأولى لانطلاق فكرة التوضيب، فسرعان ما سيأتي «سيرجي أيزنشتاين» وهو أحد تلاميذ كوليشوف ممَّن حضروا ورشاته، ليُواصِلَ البحثَ في الفكرة النظريّة لتجاوُر صورتَيْن، بل سيوسِّع البحثَ ليَدفعَ بفكرة المونتاج إلى جانبٍ أكثر تطرُّفًا؛ فهو لم يكُن يؤمن بأنّ ترتيبَ اللّقطاتِ يَصنع المعنى فقط، بل أنّ تصادُمَها هو ما يُولِّد الفكرة. وبالنسبة إليه لم يكُن المونتاج أداةً نفسيّة كما هو الحال مع كوليشوف، بل كان مَنهجُهُ جدليًّا، يُعيد تشكيلَ الواقع لا تمثيله فقط. فالصورة لا تُستكمل بالصورة التالية، بل تُـخالِفها، وبين اللّقطتَيْن حيث يَقع التصادُمُ يتولَّد المعنى الثالث، هذا المعنى الذي لا يتواجد في أيٍّ من اللّقطتَيْن، بل يَنتج من تركيبهما معًا، فتَنبثق الفكرةُ من التناقُضِ لا التّتابُع.

لاحقًا، ومع النضْج النقديّ، راجَعَ الكثيرُ من السينمائيّين المونتاجَ السوفياتي، والجانبَ الإيديولوجي فيه؛ فالناقد والمُخرِج الفرنسي أندري بازان (1918 - 1958) مثلاً، لم يكُن مفتوناً ببنية الفيلم الروسي كغيرِه، بل كان قَلقًا من آثاره على حريّة المُتفرِّج. فبالنسبة إليه، ما فَعله إيزنشتاين بالمونتاج، بالرغم من عبقريّتِه ودورِه الريادي، تحوَّلَ إلى سلطةٍ على وعي الجمهور؛ فلقد رأى في التقطيع المُتقن، والتصعيدِ في إيقاع الفيلم عِبْرَةً، وفي نحتِ المعنى من تصادُمِ اللّقطات نَوعًا من التوجيه والوصاية الذي لا يَترك للمُشاهِد حريّةَ الفهْم، فهو محكومٌ بأن يَفهم ما أُريد له أن يَفهمه.

مَوقِف بازان، في جوهره، لم يكُن دفاعًا عن الواقعيّة فقط، بل عن حريّة المُشاهَدة كشرطٍ لتحقيق تجربة المُشاهَدة. لقد رأى أنّ اللّقطةَ المُمتدّة، التي تَشمل حركةَ المُمَثِّل والعمقَ الزمني والمكاني والبَصري، تَمنح الواقعَ الخامّ، والحقيقيّ، فرصةً للتشكُّل أمامنا مباشرةً من دون توجيه.

ففي مقاله الشهير «المونتاج المحظور»، دافَع بازان عن بدائل تَحفظ للمُشاهِد حقَّهُ في التفكير والتأمُّل، وهاجَمَ الاستخدامَ المُفرط للمونتاج بوصفه أداة أيديولوجيّة. بالنسبة إليه، كان الأهمّ هو ما يُبقيه الفيلم مَرئيًّا، لا ما يَختار حذْفَه، وما يُتيحه من احتمالاتٍ إدراكيّة، لا ما يُغلقه.

المونتاج في زمن الخوارزميّات: الإبداء والإخفاء

يبدو اليوم أنّ ما كان محضَ نظريّاتٍ وجَدَلٍ نقديّ لتيّارات السينما ونقّادِها، تحوَّلَ في العصر الرقمي إلى مُمارَسةٍ اجتماعيّة كَونيّة؛ إذ لم يَعُد المونتاج حكراً على المُخرجين أو على مجال السينما برمّته، بل أصبح جزءًا من السلوك اليومي لملايين الناس. المونتاج لم يَعُد مجالَهُ.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 9 ساعات
منذ 4 دقائق
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 12 دقيقة
منذ 4 ساعات
صحيفة سبق منذ 13 ساعة
صحيفة سبق منذ 11 ساعة
صحيفة سبق منذ 7 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 11 ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 16 ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 5 ساعات
صحيفة عاجل منذ 11 ساعة
صحيفة الوئام منذ 15 ساعة