هل أعادت الإصلاحات الاقتصادية ثقة المستثمرين في الأردن؟

في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتباطؤ النمو العالمي، تبرز مؤشرات الثقة بوصفها أداة تحليلية متقدمة لقياس توقعات الفاعلين الاقتصاديين وقدرتهم على استشراف اتجاهات الاقتصاد الكلي. وفي الحالة الأردنية، تكتسب ثقة المستثمرين أهمية مضاعفة، نظراً لارتباطها المباشر بمستويات الاستثمار الخاص، واستدامة النمو، وخلق فرص العمل، لا سيما في اقتصاد مفتوح يتأثر سريعاً بالتقلبات الجيوسياسية والمالية العالمية.

وخلال عام 2025، عكست البيانات الاقتصادية الرسمية والتحليلية تحسناً تدريجياً في الأداء الاقتصادي للأردن، مدفوعاً باستقرار نسبي في المؤشرات النقدية، واستمرار النمو الإيجابي للناتج المحلي، وتراجع ضغوط التضخم مقارنة بالسنوات السابقة.

ويأتي هذا التحسن ضمن سياق أوسع من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي تقودها الحكومة في إطار رؤية التحديث الاقتصادي وخارطة تحديث القطاع العام، واللتين تستهدفان إعادة تشكيل بيئة الأعمال وتعزيز جاذبية الاستثمار المحلي والأجنبي.

أصول الضمان الاجتماعي الأردني تقفز إلى 26 مليار دولار في 2025

مسح ثقة المستثمرين

ضمن هذا السياق، تكتسب نتائج الجولة الثالثة عشرة من مسح ثقة المستثمرين الصادر عن منتدى الاستراتيجيات الأردني أهمية خاصة، ليس فقط بوصفها قياساً لانطباعات المستثمرين، بل كأداة تحليلية تربط بين توقعات القطاع الخاص والأداء الاقتصادي الفعلي. وتزداد أهمية هذا المسح كونه يتناول، للمرة الأولى بشكل معمق، منعة الاقتصاد الأردني وقدرته على التكيف مع الصدمات الخارجية، في مرحلة مفصلية تتطلب تحويل الثقة إلى استثمارات إنتاجية داعمة للنمو المستدام.

وتشير النتائج إلى تحسن ملموس في المزاج الاستثماري خلال عام 2025، وهو تحسن يُعد الأول من نوعه منذ عام 2019 من حيث توازن التقييمات الإيجابية والسلبية. ويعكس هذا التحول مؤشرات على تعافٍ تدريجي وثقة حذرة بمسار الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، من دون أن يعني بالضرورة تحقيق طفرة نوعية في الأداء الاقتصادي.

وتُظهر نتائج المسح انتقالاً نسبياً في تقييم المستثمرين للوضع الاقتصادي العام، مع ارتفاع نسبة من يرون تحسناً في الأداء مقارنة بالعام السابق، مقابل تراجع واضح في مستويات التشاؤم. غير أن هذا التحول يعكس بالدرجة الأولى تحسناً في التوقعات المستقبلية، مدفوعاً بعوامل الاستقرار والأمن، إلى جانب خطوات إصلاحية بدأ المستثمرون يلمسون أثرها التراكمي في بيئة الأعمال.

وعلى مستوى الاتجاه العام، فإن تجاوز نسبة المستثمرين الذين يرون أن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يحمل دلالة مهمة على تغير المزاج العام للقطاع الخاص. إلا أن هذا التفاؤل يبقى مشروطاً، إذ لا تزال نسبة معتبرة من المستثمرين ترى أن الأداء الاقتصادي دون الطموحات، ما يعكس فجوة قائمة بين السياسات المعلنة والنتائج المتحققة على أرض الواقع، لا سيما في ظل استمرار الضغوط الضريبية وارتفاع كلف الإنتاج.

علم الأردن يرفرف فوق العاصمة عمّان يوم 11 سبتمبر 2021

ويبرز هذا التفاؤل بشكل أوضح عند النظر إلى توقعات عام 2026، حيث أظهر المستثمرون ثقة أعلى بتحسن الأوضاع الاقتصادية، سواء على مستوى الاقتصاد الكلي أو أداء شركاتهم. غير أن هذا التفاؤل يتركز بدرجة أكبر في القطاع الصناعي وفي الشركات الكبيرة، ما يشير إلى تفاوت في القدرة على الاستفادة من فرص النمو بين القطاعات المختلفة، وبين الشركات الكبيرة من جهة، والشركات الصغيرة والمتوسطة من جهة أخرى، التي ما تزال أكثر حساسية للتقلبات الاقتصادية.

تقدم نسبي وتحديات هيكلية

رغم التحسن النسبي في تقييم البيئة الاستثمارية، تكشف نتائج المسح بوضوح أن التحديات الهيكلية ما تزال قائمة. فارتفاع الضرائب، وتعقيد الإجراءات الحكومية، واستمرار كلف الإنتاج المرتفعة، تشكل عوائق رئيسية أمام توسع الأعمال وجذب استثمارات جديدة. ويعكس ذلك إدراك المستثمرين أن الإصلاحات الجارية، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى مرحلة إحداث تحول جذري في مناخ الاستثمار.

وفي هذا السياق، يظهر أن غالبية المستثمرين لا يفكرون في نقل أعمالهم إلى خارج الأردن، وهو مؤشر إيجابي يعكس درجة من الثقة بالاقتصاد المحلي. إلا أن بقاء نسبة من المستثمرين تفكر في ذلك لأسباب تتعلق ببيئة الاستثمار الخارجية أو تعقيد الإجراءات المحلية يمثل مؤشر إنذار يتطلب معالجة جادة، لا سيما في ظل المنافسة الإقليمية المتزايدة على جذب الاستثمارات.

أما في ما يتعلق بمسار تحديث القطاع العام، فيعكس تحسن تقييم المستثمرين للإصلاح الإداري، ولا سيما في مجالات الرقمنة وتبسيط الإجراءات، تقدمًا ملموسًا في بعض المحاور التنفيذية. في المقابل، لا تزال التحديات التشريعية تشكل نقطة ضعف رئيسية في منظومة الأعمال، ما يشير إلى أن نجاح الإصلاح الإداري يظل مرهونًا باستكمال الإطار التشريعي وضمان استقراره ووضوحه للمستثمرين.

وتكشف النتائج عن قدرة نسبية للشركات الأردنية على الصمود أمام الصدمات الخارجية، مدعومة بالاعتماد على السوق المحلي وتنويع الأسواق وسلاسل التوريد. غير أن محدودية تبني أدوات إدارة المخاطر المالية، وضعف استخدام الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية، يشيران إلى فجوة في الجاهزية المؤسسية، خصوصاً لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة.

الاستثمار الأجنبي في الأردن يرتفع 28% إلى 1.5 مليار دولار خلال 9 أشهر

تفاؤل محسوب

يرى خبير الاقتصاد ساهر العدوس أن التحسن الذي أظهرته نتائج مسح ثقة المستثمرين في نهاية عام 2025 لا يمكن فصله عن الأداء الكلي للاقتصاد الأردني، موضحاً أن «ارتفاع نسب التفاؤل يعكس بالدرجة الأولى تراجع حالة عدم اليقين، وليس بالضرورة تحقيق طفرة اقتصادية، وهو تطور مهم بحد ذاته».

وأضاف العدوس لـ«إرم بزنس» أن انتقال مؤشر الاتجاه العام للأوضاع الاقتصادية إلى المنطقة الإيجابية للمرة الأولى منذ عام 2019 يشير إلى تكيف السوق المحلي مع واقع النمو المعتدل، مؤكداً أن «الاقتصاد الأردني لا يزال يعمل ضمن هامش نمو محدود، إلا أن استقراره النقدي والمالي، وضبط مستويات التضخم، أسهما في تحسين التوقعات المستقبلية لدى القطاع الخاص».

وأشار إلى أن الربط بين نتائج المسح وبيانات النمو والبطالة والتضخم يوضح أن تحسن ثقة المستثمرين يستند إلى مؤشرات واقعية، موضحاً أن «استقرار الأسعار، والتحسن النسبي في سوق العمل، واستمرار الإنفاق الرأسمالي الحكومي، خففت من الضغوط على الشركات، ودفعت نسبة أكبر منها للتفكير بالتوسع بدل الانكماش». وفي المقابل، حذّر من أن «استمرار التحديات التشريعية وارتفاع العبء الضريبي قد يحدان من تحويل هذا التفاؤل إلى استثمارات فعلية إذا لم تتم معالجتهما ضمن أطر زمنية واضحة».

من جهته، يرى أستاذ المالية في جامعة آل البيت عمر الغرابية أن قدرة أكثر من 80% من الشركات على الصمود أمام الصدمات الخارجية تعكس بنية اقتصادية أكثر مرونة مما كانت عليه سابقاً، إلا أن هذه المرونة «لا تزال دفاعية أكثر منها هجومية»، بمعنى أنها قائمة على التكيف وتقليل الخسائر، لا على اقتناص فرص النمو السريع.

وأكد الغرابية لـ«إرم بزنس» أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة المخاطر إلى إدارة الفرص، عبر تحفيز الاستثمار الإنتاجي، وتوسيع قاعدة التصدير، وتعميق استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية، مؤكدًا أن «استدامة تحسن ثقة المستثمرين مرهونة بقدرة السياسات الاقتصادية على تحويل التفاؤل إلى نمو ملموس يشعر به القطاع الخاص والمواطن على حد سواء».

تعكس نتائج مسح ثقة المستثمرين صورة مزدوجة للاقتصاد الأردني، تحسن تدريجي في الثقة والتوقعات، يقابله استمرار تحديات هيكلية تتطلب تسريع وتيرة الإصلاح، لا سيما في ملفات الضرائب، والإجراءات، ومحفزات الاستثمار.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعتين
منذ 55 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 10 ساعات
منذ 26 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 13 ساعة
منصة CNN الاقتصادية منذ 12 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات