تحركات حكومية مكثفة في الجزائر لإنجاز مشروع ضخم لخط السكة الحديدية المنجمي الداعم لصناعات عديدة منها الحديد، تعيد الحديث مجدداً عن الفرص التي تنتظر الاقتصاد جراء تقليص كلفة النقل وتعزيز الموارد الوطنية وفك عزلة الولايات الجنوبية.
ذلك الخط السككي الجنوبي الممتد على مسافة تقارب 950 كيلومتراً، ويربط بين مناطق بشار وبني عباس وتندوف ومنجم غاراً جبيلات يراه خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، مشروع عملاق سينتهي في 2027، ويحمل من الآن قيمة مضافة ستنعش الاقتصاد، وتحد من عزلة الولايات الجنوبية وستسهم في تعزيز التنمية وخلق الثروة، في مسار لوجستي غير مسبوق يعزز الموارد الوطنية، ويقلص كلفة النقل، منبهين إلى أنه لا يخلو من تحديات بين طبيعية وتمويلية وأمنية.
«القرض الشعبي» يطلق منصة رقمية للتداول في بورصة الجزائر يناير 2026
خطوة جديدة
وفي 15 ديسمبر 2025، وافق مجلس إدارة مجموعة البنك الإفريقي للتنمية على تمويل المرحلة الأولى من مشروع خط السكك الحديدية الجنوبي في الجزائر بقيمة 747.32 مليون يورو.
وقال البنك الأفريقي للتنمية، في بيان، إن المشروع يهدف إلى تسهيل حركة الركاب ونقل البضائع، وخفض تكاليف الخدمات اللوجستية، مع تحسين توصيل المنتجات الزراعية والصناعية إلى الأسواق المحلية والإقليمية.
كما يسعى المشروع الذي أعلن للمرة الأولى في 2023، إلى «تعزيز الاستغلال المستدام للموارد الاقتصادية في المناطق الصحراوية، بما يتماشى مع رؤية الحكومة الجزائرية في تحويل شبكة السكك الحديدية إلى محرك رئيسي للتنويع الاقتصادي وتقليص الفوارق الإقليمية، مع دعم التحول نحو وسائل نقل أكثر استدامة»، ويرتقب أن يحدث نقلة نوعية في استغلال خام الحديد ونقله نحو وحدات التحويل بالشمال، وكذلك التصدير الخارجي، وفق المصدر ذاته.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الجزائرية في 24 ديسمبر 2025، «يشكل المشروع الضخم لخط السكة الحديدية المنجمي الغربي على مسافة تقارب 950 كلم أحد أهم إنجازات الجزائر خلال سنة 2025, باعتباره محركاً حقيقياً للصناعة والاقتصاد الوطني».
ويمثل هذا المشروع الضخم الذي أشرف رئيس الجزائر عبد المجيد تبون, على إعطاء إشارة انطلاق أشغاله في نوفمبر 2023 «خطوة عملاقة في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية لولايات الجنوب الغربي للبلاد، وسيتيح توسيع الشبكة الوطنية للسكة الحديدية وعصرنة الصناعة المنجمية وضمان ربط منجم الحديد لغارا جبيلات ومناطق أخرى، على غرار بشار وبني عباس، بالأقطاب الصناعية والموانئ الواقعة شمال غرب البلاد، أي ما يعادل مسافة إجمالية تقدر بنحو 2000 كلم».
وسيمكن هذا المشروع من «تطوير الصناعة الوطنية في مجال الحديد والصلب، إذ إن دخوله حيز الخدمة سيسهل الوصول إلى الموارد المنجمية في الجنوب الغربي على طول مسارها, كما سيعزز قدرات صناعة الحديد والصلب ويساهم بشكل كبير في خلق فرص عمل جديدة»، بحسب الوكالة.
وتهدف الجزائر إلى زيادة صادراتها غير النفطية لنحو 30 مليار دولار بحلول عام 2030، بحسب تقديرات مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري في أبريل 2025.
مصفاة غاز البترول المسال في أرزيو بالقرب من مدينة وهران في الغرب الجزائري - 30 يوليو 2007
مشروع عملاق
ويرى الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة ورقلة في الجزائر سليمان ناصر في حديث لـ«إرم بزنس»، أن ذلك المشروع الذي يربط بين بشار وتندوف مرورا ببني عباس، وصولاً إلى منجم الحديد الضخم «غار جبيلات» الذي يحتوي على احتياطي يقدر بما لا يقل عن 3.5 مليار متر مكعب، الذي يحتل المرتبة التاسعة عالمياً.
وتسعى الجزائر من خلال هذا المشروع إلى تنويع اقتصادها خارج قطاع المحروقات (النفط والغاز)، ومن هذا المنظور المتعلق بتنويع مصادر الدخل، حاولت الجزائر استغلال هذا المنجم الضخم الذي لم تجد سبيلاً لاستغلاله منذ الاستقلال، وفق ناصر.
وعند اكتمال خط السكة الحديدية ووصوله من «غار جبيلات» إلى تندوف ثم إلى بشار مروراً ببني عباس على مسافة 950 كيلومتراً، ومن بشار وصولا إلى موانئ غرب الجزائر كوهران ومستغانم وغيرها؛ سيساعد ذلك أولا في تصدير كميات كبيرة من الحديد المطلوب عالميا للصناعة، وأيضا في تموين قطاعات الصناعة الأخرى، خاصة والجزائر تنوي إقامة مصانع لهياكل السيارات والصناعات الميكانيكية محليا، وهذا المشروع قد يخدم هذا الغرض، يوضح الأكاديمي الجزائري سليما ناصر.
والهدف من المشروع، بحسب ناصر، يندرج في إطار تنويع مصادر الدخل، نظراً لعدم استقرار أسواق الغاز والبترول وتذبذبها، ومحاولة الجزائر الخروج من اقتصاد الريع، معولا على أهمية أن تكون هذه الموارد المعدنية محفزا لإقامة صناعة حقيقية تضمن مداخيل مستقرة وثابتة، لتجنب الدوران في حلقة مفرغة من الاعتماد على الموارد الأحفورية والمناجم الباطنية.
تحديات
لكن ناصر يرى أن هناك تحديات التي تواجه مشروع الجنوب، قائلاً: «رغم الأهمية، يواجه المشروع تحديات كبيرة، منها تحديات مالية: يحتاج المشروع لموارد مالية ضخمة، فرغم حصول الجزائر على قرض من البنك الإفريقي لتمويل مرحلة (الأغواط - المنيعة)، تبقى مسافة تتجاوز 1000 كيلومتر تتطلب تمويلاً كبيراً».
ثاني التحديات بيئية تتمثل في زحف الرمال حيث سيمر الخط في مناطق تتميز بالكثبان الرملية، وهي مناطق بعيدة جداً عن العمران، مما يتطلب صيانة دورية وتصفية دائمة للرمال، وفق ناصر.
وتأتي التحديات الأمنية في المقام الثالث بحسب ناصر، قائلاً: «بالنظر إلى موقع الصحراء الكبرى، ورغم السيطرة المحكمة للجيش الجزائري تبقى هناك تحديات تتعلق بالانفلات الأمني في دول الساحل ونشاط بعض العصابات التي قد تهدد هذه المشاريع التنموية الكبيرة بأعمال إرهابية».
وبالعودة للإيجابيات، والحديث لـ«ناصر»، فإنه «يمكن أن يلعب هذا الخط دوراً كبيراً في تنشيط الاقتصاد الوطني وتعزيز التبادل التجاري مع الدول الإفريقية المجاور».
استثمارات مشتركة وفرص واعدة.. كيف تعيد تونس والجزائر صياغة الشراكة؟
دعم للاقتصاد المنتج
كذلك يرى المحاضر في العلوم الاقتصادية بجامعة ابن خلدون والخبير المالي، عبد الرحمن عية، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن المشروع يعد أمراً ممتازاً وجيداً ويدعم تمويل الاقتصاد الوطني، والانتقال السريع إلى الاقتصاد المنتج، لافتاً إلى إلى وجود بعض المعوقات، خاصة البيروقراطية الإدارية بخلاف تحديات طبيعية بالدرجة الأولى، نظرا لطبيعة المنطقة الصحراوية والرمال، لكن في المرحلة الحالية يحسب للمشروع تقليله للتكاليف ودعم القطاع المنجمي.
ويرى الخبير الاقتصادي الجزائري محفوظ الدوكابي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تمويل هذا المشروع السككي واستكماله بهذه المنطقة والمأمول في2027، يعد بمثابة فك لعزلة الولايات الجنوبية وخلق للتنمية والثروة، وربط مناطق استغلال الحديد ببعضها البعض مع توفر فرص محتملة للتصدير، واصفا المشروع بأنه «كبير».
وأشار إلى أن هذا الخط سيعزز القطاع المنجمي المهم للجزائر والذي يحمل انتعاشة للاقتصاد وسيعزز فرص الجنوب والتصدير ويجعل من الجزائر لاعبا رئيسيا بالمنطقة بهذا القطاع، مع توفير نهوض بالجنوب الغربي بجعله منطقة اقتصادية بامتياز، متوقعا أن يفوق هذا المشروع الكبير على مستوى النقل الـ5مليارات دولار، مشيرا إلى أن هذا الرقم يعني رهاناً جزائرياً كبيراً سيجعل من الجنوب قطباً اقتصادياً بامتياز.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

