كعكة نفط فنزويلا.. هل تُشعل خطة ترامب حرباً أوسع مع موسكو وبكين؟

ساعات قليلة كانت كفيلة كي تنقلب الأسواق، ويتهافت المتداولون على اقتناء أصول الملاذات، بعد أن أطلق الرئيس الأميركي مجموعة جديدة من قذائفه ذات المردود الواسع اقتصادياً، وسط توقعات أن تمتد تأثيرات حملة ترامب العسكرية الأخيرة في الأسواق العالمية.

وجاء التصعيد الحاصل في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، ومنع نفطها من التدفق للأسواق العالمية في الواجهة، إلا أن استمرار التصعيد الأميركي لم يكن سببه الوحيد صد تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة كما أوضح ترامب في البداية.

رد فعل تكتيكي للاضطرابات السياسية يرفع الدولار.. هل يحافظ على مكاسبه؟

ترامب يرفع السقف الأسواق تترقب

من المنتظر أن يمثل الرئيس الفنزويلي المعزول نيكولاس مادورو أمام محكمة أميركية اليوم الاثنين، بعدما اعتقلته القوات الأميركية مطلع الأسبوع.

قال ترامب للصحفيين أمس الأحد إنه قد يأمر بشن ضربة أخرى إذا لم تتعاون فنزويلا مع المطالب الأميركية لفتح قطاع النفط ووقف تهريب المخدرات.

هدد ترامب بعمل عسكري في كولومبيا والمكسيك، وقال إن النظام الشيوعي في كوبا يبدو أنه على وشك الانهيار من تلقاء نفسه.

السبب الحقيقي للحملة

وبينما كانت المخدرات سبباً معلناً، إلا أن النفط أصبح العامل الأبرز في تحرك الإدارة الأميركية، إذ أشاد دونالد ترامب بالعملية العسكرية الأميركية للقبض على نيكولاس مادورو، ووصفها بأنها مذهلة واستثنائية، وهجوم لم نشهده منذ الحرب العالمية الثانية، وفاجأ الكثيرين بجعله النفط الفنزويلي محور مؤتمره الصحفي الذي استمر ساعة كاملة.

لم يذكر الرئيس الأميركي الحرب على المخدرات التي كانت على مدى شهور مبرره الرئيسي للحشد العسكري والضربات على القوارب التي أسفرت عن مقتل 116 شخصاً، وبدلاً من ذلك أشار إلى النفط أكثر من اثنتي عشرة مرة، حتى عندما لم تتضمن الأسئلة أي إشارة إليه.

الذهب يقتات على التوترات.. الأسعار تشتعل فهل يُسجل 5000 دولار قريباً؟

النزاع على النفط الفنزويلي

قال ترامب على متن طائرة الرئاسة الأميركية أمس الأحد، عائداً إلى واشنطن من فلوريدا: «نحن نستعيد ما سرقوه، ونتولى زمام الأمور، فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات في العالم، سرقت النفط من الولايات المتحدة وسيتم استعادته الآن».

أضاف ترامب: «شركات النفط ستعود إلى فنزويلا وتعيد بناء قطاع النفط»، وتابع قائلًا: «سينفقون مليارات الدولارات وسيستخرجون النفط من باطن الأرض».

تابع ترامب: «لقد بنينا صناعة النفط في فنزويلا بمواهب أميركية، وحماس، ومهارة، وسرقها النظام الاشتراكي منا خلال الإدارات السابقة بالقوة، وقد شكل هذا واحدة من أكبر عمليات سرقة الممتلكات الأميركية في تاريخ بلادنا».

خزان نفط في حقل بوسكان خارج مدينة ماراكايبو في فنزويلا يوم 16 مايو 2016

هل سرقت حقاً؟

يقف وراء ادعاءات ترامب قرارات الحكومات الفنزويلية السابقة بتأميم الإنتاج، لكنهم يجادلون بأن الولايات المتحدة ليس لها أي حق قانوني في نفط البلاد، كما أن الشركات الأميركية لم تمتلك النفط أو الأرض في فنزويلا قط، بل كانت تمتلك امتيازات استكشافية تمنحها حقوق تشغيل مؤقتة، لا ملكية دائمة.

وبموجب القانون الدولي ومبدأ الأمم المتحدة بشأن السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، الذي أُقر عام 1962، تتمتع الدول ذات السيادة بحق أصيل في السيطرة على الموارد داخل أراضيها والتصرف بها (أي أنها تملك حق التصرف فيها كما تشاء).

وكما قامت الشركات الأميركية بالتنقيب عن النفط في فنزويلا منذ أوائل القرن العشرين، وعلى مدار القرن الماضي، انضمت إليها شركات من دول أخرى، بما في ذلك إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والصين وروسيا وهولندا والمملكة المتحدة.

يقول الباحث القانوني المتخصص في صناعة النفط الفنزويلية ويعمل لدى شركة الاستشارات «أورورا ماكرو ستراتيجيز» خوسيه إغناسيو هيرنانديز: «حتى لو قامت حكومة سابقة بمصادرة أصول النفط لشركات أميركية بشكل غير شرعي دون تعويض عادل، فإن فنزويلا لم تسرق أي نفط من الولايات المتحدة».

بعد اعتقال رئيس فنزويلا وتهديد طهران.. هل يغتنم النفط الفرصة؟

ما الذي نزع فتيل الأزمة ومتى؟

في عام 1943، فرضت فنزويلا قانوناً تحصل بموجبه على 50% من الأرباح التي تحققها شركات التنقيب عن النفط للدولة.

في عام 1976، قام الرئيس المنتمي إلى يسار الوسط كارلوس أندريس بيريز بتأميم الصناعة؛ ما أدى إلى إنشاء شركة «بتروليوس دي فنزويلا إس إيه» المملوكة للدولة.

في غضون ذلك، تكبدت شركات أميركية مثل «إكسون وموبيل»، اللتين اندمجتا في عام 1999، و«جلف أويل» التي أصبحت الآن جزءاً من «شيفرون»، خسائر تقدر بنحو 5 مليارات دولار، ولكن تم تعويضها بمبلغ مليار دولار تقريباً لكل منها.

عقب ذلك، تولى سلف مادورو ومعلمه هوغو تشافيز السيطرة على عمليات النفط المتبقية التي لا تزال تُدار بموجب ترتيبات خاصة في عام 2007.

في وقت تالي، رفضت شركتا «إكسون موبيل» و«كونوكو فيليبس» الشروط التعاقدية الجديدة، وتمت مصادرة أصولهما من جانب الحكومة الفنزويلية، في حين وافقت شركة «شيفرون» على البقاء وقبلت الشروط التعاقدية.

خلال اجتماع بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في العاصمة الروسية موسكو بمناسبة عيد النصر يوم 7 مايو 2025.

كيف تتقاسم القوى الكبرى نفط فنزويلا؟

لا تزال شركة «شيفرون» تسيطر على نحو 25% من العمليات في فنزويلا.

تسيطر شركة النفط الفنزويلية الوطنية «بتروليوس دي فنزويلا» على ما يقارب 50% من عمليات التنقيب والاستخراج.

تتوزع ما نسبته حوالي 10% في مشاريع مشتركة تقودها الصين، و10% أخرى تقودها روسيا، و5% لشركات أوروبية.

بعد عام قاس.. البؤر الملتهبة تقدّم دعماً للنفط وإيران تدخل على الخط

تاريخ العقوبات

خلال ولاية ترامب الأولى، فرضت الولايات المتحدة عقوبات حظرت استيراد النفط الفنزويلي، في المقابل خفف الرئيس الأميركي السابق جو بايدن هذه القيود على أمل أن يسمح مادورو بانتقال ديمقراطي للسلطة بعد انتخابات فنزويلا عام 2024.

أعاد ترامب فرض العقوبات، عندما مع بداية ولايته الثانية، وحتى خلال فترة العقوبات، لم توقف شركة «شيفرون» عملياتها بشكل كامل، بل حافظت عليها عند مستويات منخفضة للغاية.

ألغى ترامب ترخيص الشركة لفترة وجيزة، لكنه تراجع عن قراره في يوليو وأمر باستخدام العائدات ليس من قبل حكومة مادورو، بل لتغطية تكاليف التشغيل وسداد ديون فنزويلا المتراكمة للشركة.

قال مونالدي: «إذا تم ترسيخ انتقال السلطة ورفع العقوبات، فإن شركة «شيفرون» ستكون الأكثر استفادة لأنها موجودة بالفعل على أرض الواقع، لكن ذلك سيتطلب استثماراً ضخماً، لأن الشركات الحكومية الفنزويلية تعاني من انهيار فعلي وقدرات محدودة للغاية في الوقت الراهن».

ضربة بداية قوية لـ2026.. ثيران الذهب يضغطون بقوة على دواسة الوقود

تحكيم دولي

كتب مدير برنامج الطاقة في أمريكا اللاتينية بمعهد «بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس» فرانسيسكو جيه مونالدي: «غادرت شركتا «كونوكو فيليبس» و«إكسون موبيل»، ولجأتا إلى التحكيم الدولي، وكسبتا القضية».

أضاف مونالدي: «في حالة «كونوكو فيليبس»، لا تزال الشركة مدينة بأكثر من 10 مليارات دولار، لذا من المرجح أن تكون الشركة طرفاً رئيسياً في أي مفاوضات لاسترداد هذه الأموال، وربما كانت جزئياً عن طريق العودة إلى البلاد».

تابع مونالدي: «إنتاج فنزويلا من النفط أقل بكثير من إمكاناتها، علاوة على ذلك، فإن معظم احتياطياتها من النفط الخام الثقيل الحامض، وهو أكثر صعوبة وتكلفة في الاستخراج».

أصبحت فنزويلا الآن لاعباً هامشياً، إذ لا تتجاوز حصتها 1% من الإنتاج العالمي، ويُقدّر مونالدي أن إنتاج فنزويلا الحالي، الذي يقل قليلاً عن مليون برميل يومياً، قد يرتفع إلى 4 ملايين أو حتى 5 ملايين برميل، لكن ذلك يتطلب استثمارًا بقيمة 100 مليار دولار على الأقل، وعقداً من الزمن على الأقل.

عامل نفط في منصة إنتاج نفطية في فنزويلا، 28 مايو 2006

الصراع بدأ الآن

ويبدو أن القصة لن تنتهي عند محاكمة مادورو، بين طموحات واشنطن، ومصالح موسكو وبكين، يبقى نفط فنزويلا محور صراع سيحدد مستقبل أسواق الطاقة العالمية في السنوات المقبلة.

وسيظل المستثمرون حول العالم يراقبون بحذر، إذ أن أي تصعيد في فنزويلا قد ينعكس فوراً على أسعار النفط وأسواق المال الدولية.

والسؤال الآن.. هل ستصمت بكين وروسيا عما يحدث في كاركاس، علماً بأن كلا البلدين يضخان استثمارات ضخمة في قطاع النفط الفنزويلي، وتمتلكان بالفعل صلاحية، ولو محدودة، في النفاذ إلى أكبر احتياطي نفطي في العالم، وذلك عبر استثمارات وعلاقات وطيدة مع النظام الحالي.

ويبدو أن أي تحرك أميركي أو انتكاسة في فنزويلا ستعيد رسم موازين القوى في أسواق النفط العالمية، وتحدد من يستفيد أكثر: واشنطن، موسكو، أم بكين؟


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 50 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 26 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 39 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات