ماذا تعني هيكلة تعريفة الكهرباء للاقتصاد المغربي؟

في ظل تصاعد كلفة الطاقة عالمياً وتسارع التحول نحو الطاقة المتجددة، يفتح المغرب واحداً من أكثر ملفات الإصلاح الاقتصادي حساسية ألا وهو هيكلة تعريفة الكهرباء.

هذا التوجه، المرتقب دخوله حيز التنفيذ ابتداء من عام 2027، لا يقتصر على تعديل تقني في أسعار الاستهلاك، بل يعكس تحولاً أعمق في فلسفة تدبير قطاع استراتيجي يمس تنافسية الاقتصاد، وجاذبية الاستثمار، والتوازنات الاجتماعية.

تلك الخطوة المنتظرة يراها، خبراء اقتصاد مغاربة «تحولاً عميقاً سيفيد الاقتصاد ولن يضر المواطنين خاصة وأنه سيكون متدرجاً ومصحوباً بآليات حماية»، معولين على الوصول لتعريفة عادلة وتغيير قواعد الاستهلاك للأفضل وتعزيز الاستثمارات لاسيما في قطاعات الطاقة المتجددة.

وهناك مستهدف حكومي اعتمد في 2009 لرفع مساهمة الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء إلى 52% في 2030، والتي تجاوزت 44% حالياً، وسط تقديرات حديثة لوزارة الانتقال الطاقي.

المغرب.. هيكلة شاملة لتعريفة الكهرباء بحلول 2027

«لحظة محورية»

ولم يعلن المغرب عن الفترة الزمنية المقررة للدراسات، غير أنه في أواخر ديسمبر الماضي، أعلنت الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء في المغرب، استعدادها لإطلاق ورشة عمل شاملة لإعادة هيكلة نظام تعريفة الكهرباء في المملكة، لمواكبة التحول في قطاع الطاقة وتعزيز انفتاح السوق على الاستثمار.

ومن المتوقع أن يدخل هذا الإصلاح حيز التنفيذ في الأول من مارس 2027، «ما يمثل لحظة محورية في إعادة هيكلة الإطار الاقتصادي لقطاع الكهرباء، وإرساء نظام تعريفة أكثر وضوحاً وشفافية يضمن استقرار الأسعار لجميع فئات المستخدمين»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء المغربية آنذاك.

وسجلت تعريفة الكهرباء في المغرب خلال 2024 و2025، أسعاراً بين 1.172 درهم (0.118 دولار) لكل كيلوواط/ساعة في القطاع المنزلي، بينما تصل الأسعار للقطاع التجاري إلى 1.072 درهم (0.108 دولار) لكل كيلوواط/ساعة.

وفي ظل محدودية احتياطيات النفط والغاز المحلية، تكشف بيانات قطاع الكهرباء في المغرب، أن قيمة فاتورة استيراد الطاقة في المملكة، سجّلت عام 2021 نحو 75 مليار درهم (7.6 مليار دولار)، وقفزت خلال 2022، إلى أكثر من 153 مليار درهم (15.42 مليار دولار)، بزيادة تجاوزت نسبتها 101% مقارنة بعام 2021.

وعلى الرغم من تراجع فاتورة الطاقة في المغرب خلال 2023 بنسبة 20.4% إلى 122 مليار درهم (12.45 مليار دولار)، فإنها لا تزال أعلى من فاتورة عام 2021 الذي سجلت فيه نحو 75 مليار درهم (7.6 مليار دولار).

منطقة سيدي اليماني قرب ميناء طنجة المتوسط، المغرب.

المصدر: وكالة الأنباء المغربية.

مسار متوقع

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي إدريس الفينة، لـ«إرم بزنس»، إن «هيكلة تعريفة الكهرباء لا تعني مجرد تغيير في أثمان الفواتير، بل تمثل تحولاً عميقاً في النموذج الاقتصادي لقطاع الكهرباء وانتقال تدريجي لنظام تعريفة اقتصادية منظمة تعكس الكلفة الحقيقية للإنتاج والنقل والتوزيع، وترسل إشارات سعرية واضحة للمستثمرين والمستهلكين».

اقتصادياً، هذا التحول يهدف وفق الفينة إلى «استعادة المصداقية الاقتصادية لتعريفة الكهرباء، وخلق إطار قابل للتنبؤ يسمح بجذب استثمارات طاقية، وتقليص الضغط غير المباشر على المالية العمومية الناتج عن الدعم الضمني أو اختلالات التسعير ومرافقة الانفتاح التدريجي لسوق الكهرباء دون الإخلال بأمن التزويد أو استقرار النظام».

وبالتالي، يرى الخبير الاقتصادي، أن «هيكلة التعريفة هي شرط أساسي لإنجاح الانتقال الطاقي وتحويل الكهرباء إلى رافعة تنافسية للاقتصاد، لا عبئ مالي أو تنظيمي»، معتقداً أن الهيكلة لها تأثيرات «متوقعة» على مستوى الاقتصاد الكلي، تشمل تحسين مناخ الاستثمار، بناء على تقديم تعريفة شفافة ومبنية على الكلفة، مما يساعد في جذب الاستثمارات الخاصة، خصوصاً في الطاقة المتجددة، غير أنه يقر أن بعض القطاعات قد تواجه إعادة توزيع للكلفة.

وعلى المدى المتوسط تحقق هيكلة تعريفة الكهرباء، بحسب الفينة، استقراراً للإطار التنظيمي، وتخفض تقلبات الأسعار، وتحسن جودة الشبكات مع دعم العناصر داعمة للتنافسية الصناعية، وتخفيف المخاطر المالية عن الدولة، وتقلل الحاجة إلى تدخلات تصحيحية أو دعم غير مباشر، مما يسهم في ترشيد النفقات العمومية، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار الاجتماعي المباشر بدل دعم الأسعار».

هل المستهلك متضرر؟

وعن تأثيرها على المواطنين، يجيب الفينة: «من المهم توضيح نقطة أساسية، وهي أن الهيكلة لا تعني بالضرورة ارتفاعاً عاماً وفورياً في أسعار الكهرباء»، موضحاً أن التأثير على المواطنين سيكون تدريجياً وليس صادماً ومتبايناً حسب فئات الاستهلاك (سكني، صناعي، مهني)، ومصحوباً عادة بآليات حماية للفئات الهشة أو محدودة الاستهلاك.

وعلى المدى المتوسط، يرى الفينة أن المستهلك سيستفيد من جودة أفضل في الخدمة، وشفافية أكبر في الفاتورة وحوافز لتقليص الاستهلاك أو الاستثمار في الطاقة الشمسية المنزلية.

وعما إذ كانت هذه الهيكلة الأخيرة أم أن الإصلاح سيتواصل بعد 2027، قال الفينة: «من الناحية الاقتصادية والتنظيمية، هذه الهيكلة ليست نهائية، بل تشكل مرحلة تأسيسية كبرى»، مضيفاً: «لذلك، ما سيحدث بعد 2027 هو مراجعات دورية للتعريفة ضمن فترات تنظيمية واضحة؛ عبر تعديلات تدريجية مرتبطة بتطور السوق وليس قرارات ظرفية وانتقال من إصلاحات هيكلية كبرى إلى تحسينات منتظمة».

ويخلص إلى أن «2027 ليست نهاية الإصلاح، بل نهاية مرحلة الفوضى السعرية وبداية مرحلة الاستقرار القابل للتطوير».

وكذلك يرى الخبير الاقتصادي المغربي، إدريس العيسوي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «هيكلة تعريفة الكهرباء بالمغرب تعني إعادة ضبط أسعار الكهرباء لتواكب مساعي جذب الاستثمار وتقليل الدعم، مما سيؤثر إيجاباً على الاقتصاد عبر زيادة كفاءة القطاع خاصة مع التوجه نحو الطاقة المتجددة) ويُتوقع أن ترفع أسعارها على المواطنين، خاصة كبار المستهلكين، وقد لا تكون الأخيرة مع استمرار التغييرات، مع أن التطبيق الرسمي للمرحلة الجديدة يُتوقع أن يبدأ في مارس 2027».

وتعني الهيكلة، بحسب العيسوي، أنه «سيتم التحول من التسعيرة الموحدة والمراقبة إلى نظام أكثر مرونة يعكس تكلفة الإنتاج الحقيقية، وسيتم التركيز على الكفاءة حيث يكون المستهلكين أكثر وعيا بكمية الطاقة المستهلكة، خاصة مع نمو الطلب وارتفاع ذروات الاستهلاك».

وأضاف: «ما من شك في أن العملية سيكون لها تأثيرات على الاقتصاد والمواطنين، فمثلاً سيتم تعزيز استدامة القطاع، وجذب الاستثمارات، وتحقيق أهداف التحول الطاقي، وتقليل العبء على ميزانية الدولة، خاصة مع زيادة الاعتماد على المصادر المتجددة».

ولمواجهات تحديات رفع الأسعار، يرى العيسوي أنه «من الضروري الاهتمام بالوقع على المواطنين، لأن ارتفاع فاتورة الكهرباء للمستهلكين الكبار أو ذوي الاستهلاك المرتفع، في حين قد تحافظ الشرائح المحدودة الدخل على دعم أو تعريفات مخفضة ضمن شرائح استهلاك محددة».

والهيكلة الجديدة المقرر تطبيقها في 2027 «ليست بالضرورة النهاية»، بحسب العيسوي، موضحاً أنها «مرحلة ضمن عملية مستمرة لتحديث القطاع، وقد تشهد تعديلات لاحقة لمواجهة التحديات المستمرة في تأمين الطاقة وتحقيق الأهداف البيئية والمناخية».

ويخلص العيسوي إلى أن تلك الهيكلة «خطوة نحو سوق كهرباء أكثر تحرراً وكفاءة، ولكنها ستتطلب تكييفاً من المواطنين والقطاعات الاقتصادية، مع استمرار التغييرات الطاقوية في البلاد».

المغرب يستثمر مليار دولار في إنشاء مركز لاستيراد الغاز الطبيعي المسال

أهداف رسمية

وفي ديسمبر الماضي، أكدت الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء في المغرب مع إعلان اعتزامها هيكلة الكهرباء أنها ستعتمد على دعم فني رفيع المستوى لتطوير نموذج تعريفة متكامل قادر على معالجة الاختلالات القائمة وضمان استدامة الخدمات العامة، مشيرة إلى أن هذا النموذج سيوفر مؤشرات تسعير دقيقة تعكس التكاليف الحقيقية للطاقة، مما يعزز جاذبية الاستثمار الخاص ويخفف الضغط على المالية العامة.

ويشمل الإصلاح المرتقب جميع مكونات نظام الكهرباء، بدءاً من مراجعة تعريفة استخدام شبكة النقل الوطنية وتقييم خدمات النظام، وصولاً إلى تحديد تعريفات شبكات توزيع الجهد المتوسط، وتشجيع الإنتاج الذاتي للطاقة وتعزيز مساهمة الطاقات المتجددة في شبكة الكهرباء الوطنية وتحفيز المستهلكين على تكييف عادات استهلاكهم مع متطلبات شبكة الكهرباء بحسب الهيئة.

وتأتي هذه الخطوة بعد نحو عام من توصية صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2024، بإجراء المغرب إصلاحات هيكلية في قطاع الطاقة، تتضمن تحرير سعر الكهرباء والعمل على تعزيز مشاركة القطاع الخاص في قطاع الطاقات المتجددة، وفتح المجال أمامه لتحديد أسعار الكهرباء في المغرب وفق تعرفة مُتفق عليها.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعتين
منذ 5 دقائق
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 43 دقيقة
منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 12 ساعة
منصة CNN الاقتصادية منذ 15 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة