موازنة سلطنة عمان 2026 درس في هندسة الاستقرار المالي

وربما الأهم في كل ذلك أن هذه الأرقام التي أعلنت، أن ميزانية 2026 تقدم تعريف أوسع للحياة الكريمة، يمتد من جودة التعليم والرعاية الصحية، إلى السكن والبنية الأساسية واستقرار الدخل والحماية في فترات الضعف، وتحسين الخدمات العامة. هذا الاتساع في مفهوم الأولوية يعزز الثقة المتبادلة بين المواطن والدولة، ويحول الرضا المجتمعي من شعور عابر إلى رصيد استراتيجي للاستقرار والنمو طويل الأمد.

الدكتور زياد الزيدي المملكة المتحدة

مستشار الإدارة الاستراتيجية والتحول المؤسسي

مع الساعات الأولى من صباح الأول من يناير، وفي يوم عمل اعتيادي يعكس انتظام الدولة حتى في اليوم الأول من العام الجديد، وفي لحظة يتكاثف فيها الضباب الاقتصادي عالميا، وتتعاظم فيها الضغوط المالية على الحكومات بفعل تباطؤ النمو، وعودة النزعات الحمائية، وتقلب أسواق الطاقة، قدمت حكومة سلطنة عمان، وخلال مؤتمر صحفي رسمي، ملامح ميزانيتها العامة للعام 2026، الى جانب الإطار العام لخطة التنمية الخمسية الحادية عشرة. لم يكن الحدث مجرد إعلان مالي تقليدي، بل مشهد مؤسسي متكامل في الإفصاح والشرح والتساؤل، أعاد للأذهان نماذج راسخة في الشفافية، حيث فتحت الأرقام للنقاش، وطرحت الأسئلة حول البرامج والخطط بعمق، وجاءت الإجابات واضحة ومسندة بالبيانات، في أجواء اتسمت بالهدوء والاتزان والمسؤولية، لتأتي الميزانية العامة لسلطنة عمان لعام 2026 بوصفها بيان ثقة أكثر من كونها مجرد أرقام، وإعلان توازن محسوب في زمن الاختلالات، ورسالة طمأنينة داخلية وخارجية بأن الدولة تمسك بزمام ماليتها العامة بعقل بارد ونفس طويل.

فالميزانية، التي أقرت بعجز مقداره 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تعد من الأدنى إقليميا ودوليا في سياق عالمي تتجاوز فيه عجوزات بعض الاقتصادات المتقدمة 5% و6% من ناتجها المحلي. غير أن الأهم من حجم العجز ذاته هو مساره النزولي، إذ انخفض بنسبة 14.5% مقارنة بعجز عام 2025، في إشارة واضحة إلى أن النهج المالي لا يقوم على إدارة الأزمة بعد وقوعها، بل على احتوائها المسبق وإبقائها ضمن نطاق آمن قابل للإدارة دون استنزاف أو ارتجال.

وإذا ما وضع هذا العجز في سياقه الدولي، تتضح الصورة أكثر. فمتوسط العجز المالي في الاقتصادات المتقدمة اليوم يدور بين 4% و6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تجاوزت نسب الدين العام في عدد من الدول الصناعية الكبرى حاجز 90% بل و100% من الناتج المحلي. وحتى في اقتصادات نامية تعد مستقرة، فإن دينا عاما في حدود 60% من الناتج المحلي ينظر إليه بوصفه أمرا اعتياديا. في هذا السياق، فإن بقاء الدين العام العماني عند نحو 36% فقط من الناتج المحلي، مع مسار نزولي واضح منذ ذروة أزمة 2020، لا يعكس مجرد التزام بالمعايير الدولية، بل يؤكد أن الوضع المالي للسلطنة يقع في خانة الأمان المدروس، لا في نطاق القلق، حتى عند اختبار أسوأ السيناريوهات العالمية.

وتبلغ الإيرادات المقدرة في ميزانية 2026 نحو 11.45 مليار ريال عماني، بزيادة 2.4% عن العام السابق، فيما يصل الإنفاق العام إلى قرابة 11.98 مليار ريال، بارتفاع محدود لا يتجاوز 1.5%. هذا الفارق الدقيق بين نمو الإيرادات ونمو الإنفاق يعكس فلسفة مالية واعية تقوم على ضبط المصروفات دون كبح النشاط الاقتصادي، وتحفيز النمو دون الانزلاق إلى التوسع غير المحسوب. والأكثر دلالة أن هذه التقديرات بنيت على متوسط سعر نفط محافظ عند 60 دولار للبرميل، وهو سعر أدنى من متوسطات السنوات الأخيرة، بما يعكس نهج التحوط لا التفاؤل المفرط، والواقعية لا المجازفة.

وبرغم أن النفط لا يزال عنصر شديد التقلب في الاقتصاد العالمي، فإن الرسالة العمانية الأهم تكمن في أن المالية العامة لم تعد رهينة البرميل وحده. فقد قدرت الإيرادات غير النفطية بنحو 3.73 مليار ريال عماني، أي ما يقارب ثلث الإيرادات العامة، وهو تطور نوعي قياسا بما كانت عليه بنية المالية العامة قبل سنوات قليلة فقط. كما بات صافي إيرادات الغاز عنصر داعم للاستقرار المالي، في ظل تحسن إدارة الموارد وتنامي دور القطاعات المرتبطة بالطاقة النظيفة وسلاسل القيمة الصناعية.

أما الدين العام، والمقدر أن يبلغ بنهاية عام 2026 نحو 14.6 مليار ريال عماني، فإن دلالته لا تكمن في رقمه المجرد، بل في السياسة المصاحبة له. فقد خصص نحو 911 مليون ريال لخدمة الدين، مع توجه واضح نحو السداد الاستباقي وتقليص المخاطر المستقبلية، بما يعزز ثقة الأسواق ويخفض كلفة الاقتراض السيادي على المدى المتوسط. في عالم باتت فيه الديون أداة ضغط سياسي واقتصادي على كثير من الدول، تبدو إدارة سلطنة عمان لدينها العام أقرب إلى خيار سيادي محسوب لا عبء مالي متراكم.

وعلى مستوى الإنفاق، تبرز الميزانية بوصفها وثيقة اجتماعية بقدر ما هي مالية. فقد خصص نحو 5.2 مليار ريال عماني للقطاعات الاجتماعية والأساسية، بما يمثل 44% من إجمالي الإنفاق العام، تتقدمها قطاعات التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والإسكان. هذه الأرقام لا تعكس فقط أولوية المواطن في الخطاب، بل تجسدها فعليا في المخصصات، من بناء 22 مدرسة جديدة واستكمال عشرات المدارس الأخرى، إلى تعيين.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ 10 ساعات
قناة السومرية منذ 23 ساعة
كوردستان 24 منذ 10 ساعات
قناة السومرية منذ 8 ساعات
قناة السومرية منذ 17 ساعة
قناة الرابعة منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 8 ساعات
قناة السومرية منذ 7 ساعات