من مونرو إلى الخليج العربي :
الجغرافيا كإطار حاكم للسياسة الأميركية
الدكتور ثائر العجيلي
المقدمة:حين تعود الإمبراطوريات إلى الخرائط
في اللحظات المفصلية من التاريخ الدولي، لا تعود القوى الكبرى إلى المبادئ ولا إلى الخطابات، بل إلى الخرائط. فالخطابات تتغير بتغيّر الإدارات وتوازنات الداخل، أمّا الجغرافيا فتبقى ثابتة، تفرض إيقاعها وحدودها ومنطقها على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي، مهما تبدّلت العناوين.
الولايات المتحدة، رغم كل ما قيل عن تراجعها النسبي أو انتقالها إلى نماذج قيادة تشاركية، لم تتخلَّ يومًا عن هذا المنطق. لكنها، في السنوات الأخيرة، عادت إلى صياغته بوضوح أكبر وصراحة أقل التباسًا:
الجغرافيا ليست عاملًا من بين عوامل السياسة الأميركية، بل الإطار الحاكم الذي تُبنى داخله هذه السياسة وتُدار من خلاله القوة.
وفي هذا السياق، جاءت السياسة الترامبية لا بوصفها قطيعة مع التفكير الأميركي التقليدي، بل بوصفها إعادة تظهير صريحة له. فما يُسمّى اليوم بـ« عقيدة ترامب » لم يكن اختراعًا جديدًا بقدر ما كان تعبيرًا مباشرًا وخاليًا من التجميل عن منطق جغرافي قديم، لطالما حكم السياسة الأميركية، لكنه كان يُقدَّم سابقًا بلغة أكثر نعومة ومؤسسية.
من مبدأ مونرو في القرن التاسع عشر، الذي رسّخ فكرة المجال الحيوي المغلق في نصف الكرة الغربي، إلى الخليج العربي في القرن الحادي والعشرين بوصفه عقدة الطاقة والممرات العالمية، تتكشف استمرارية عميقة في التفكير الأميركي:
السيطرة على المكان تسبق السيطرة على القرار، وتُغني عنها أحيانًا.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم ما جرى في فنزويلا بوصفه أزمة داخلية أو صراعًا سياسيًا محليًا، بل باعتباره لحظة كاشفة أعادت إظهار هذا المنطق الجغرافي في أنقى صوره. ففي كراكاس، وعلى تخوم المجال الحيوي الأميركي، جرى اختبار عملي لمبدأ قديم بأدوات حديثة: إعادة إدخال عقدة طاقة خارجة عن السيطرة إلى المنظومة الحاكمة، من دون حرب شاملة، ومن دون احتلال مباشر، ومن دون كلفة عسكرية تقليدية.
بهذا المعنى، لم تكن فنزويلا تفصيلًا عابرًا في مشهد دولي مضطرب، بل نقطة مفصلية كشفت كيف تُمارَس الهيمنة في القرن الحادي والعشرين:
هيمنة تُدار بلغة المكان، وتُفرض عبر التحكم بالسلاسل والمفاصل، لا عبر القيم المعلنة أو الشعارات السياسية.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري قراءة السياسة الأميركية لا من خلال الإدارات المتعاقبة، بل عبر المنطق الجغرافي العميق الذي يحكمها، والذي يمتد من مبدأ مونرو بوصفه عقيدة تأسيسية، إلى ما يُعرف اليوم بـ« عقيدة ترامب » بوصفها تعبيرًا صريحًا ومعاصرًا عن هذا المنطق ذاته.
أولاً:قراءة في المنطق الجغرافي للدولة العميقة من مونرو إلى عقيدة ترامب
لم يكن مبدأ مونرو (1823) إعلانًا أخلاقيًا ضد الاستعمار الأوروبي بقدر ما كان ترسيمًا لمجال جغرافي حصري.
جوهر المبدأ لم يكن "حماية الديمقراطيات الناشئة"، بل:
تحييد القوى الكبرى المنافسة.
منع تموضعها في المجال القريب.
تحويل نصف الكرة الغربي إلى عمق استراتيجي أميركي مغلق.
منذ تلك اللحظة، أصبح المكان هو معيار التهديد:
أوروبا في القرن التاسع عشر
الاتحاد السوفيتي في القرن العشرين
الصين وروسيا في القرن الحادي والعشرين
العدو تغيّر، لكن المنطق لم يتغير.
ثانيًا:من السيطرة على الدول إلى السيطرة على المفاصل
مع نهاية الحرب الباردة، أدركت واشنطن أن الاحتلال المباشر:
مكلف
مستنزف
محدود الفاعلية طويلة الأمد
فانتقلت إلى نموذج أكثر تطورًا: السيطرة على المفاصل الجغرافية بدل السيطرة على الدول.
هذه المفاصل تشمل:
الممرات البحرية
عقد الطاقة
نقاط الاختناق اللوجستية
سلاسل التمويل والتأمين والتسعير
في هذا النموذج:
الدولة ليست الهدف
بل وظيفتها داخل الشبكة الجغرافية العالمية
ولهذا يمكن إسقاط نظام دون احتلال دولة، ويمكن تحييد نفوذ دون إطلاق حرب شاملة.
ثالثًا: فنزويلا حين يكشف المكان منطق القوة
ليست فنزويلا مجرد دولة نفطية مأزومة، بل عقدة جغرافية مكتملة الشروط. تجتمع فيها ثلاثة عناصر شديدة الحساسية في العقل الاستراتيجي الأميركي:
أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم.
موقع كاريبي مباشر على خاصرة المجال الحيوي الأميركي.
انخراط صيني عميق في قطاع الطاقة خارج منظومة الدولار.
النموذج الفنزويلي-الصيني لم يكن مجرد شراكة اقتصادية، بل نموذج نفط خارج السلسلة:
- خارج الممرات الخاضعة للرقابة.
- وخارج منظومة التأمين الغربي.
- وخارج التسعير بالدولار.
وهذا في المنطق الأميركي تهديد بنيوي لا يمكن القبول باستمراره.
لهذا لم تكن الحرب خيارًا، بل جرى استخدام مزيج محسوب من:
الضغط المالي،
الخنق اللوجستي،
العزل السياسي
لإعادة إدخال فنزويلا قسرًا في المنظومة الحاكمة.
هكذا قدّمت كراكاس الدليل الأوضح على معنى الهيمنة الحديثة: التحكم بالمسار لا احتلال الأرض.
رابعًا : الطاقة كسلسلة لا كبرميل
أحد أخطر سوء الفهم في تحليل السياسة الأميركية هو اختزالها في " الحاجة إلى النفط ".
الولايات المتحدة لم تعد بحاجة حيوية للنفط المستورد، لكنها تحتاج بشدة إلى التحكم بمنظومة الطاقة العالمية.
هذه المنظومة تشمل:
1.أين يستخرج النفط
2.كيف يُنقل
3.من يؤمّن نقله
4.بأي عملة يُسعَّر
5.ومن يتحكم بعقود التأمين والتمويل
من يملك هذه السلسلة، يملك القدرة على إدارة الأسواق :
رفع أو خفض الأسعار
خنق خصومه دون حرب
مكافأة الحلفاء أو معاقبتهم دون إطلاق رصاصة واحدة
وهنا نفهم لماذا لا يُقرأ الخليج، ولا فنزويلا، ولا القطب الشمالي، كحقول نفط فقط، بل كـعُقد سيطرة.
خامسًا:الصين.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
