الإعلام العربي على مفترق الرقميات
البقاء للأكثر قدرة على التحول
لطالما كانت الصحافة الورقية في العالم العربي أكثر من مجرد وسيلة إخبارية؛ كانت منابر للأفكار، وحاضنة للخطاب الثقافي، ورمزًا للهيبة والثقة. كان صوت حفيف الورق صباحا يُسمع في البيوت والمقاهي، ويُشكل الرأي العام، ويحفر عميقًا في وجدان الأمة. لكن هذا المشهد الذي اعتدنا عليه لعقود طويلة يشهد اليوم تحولاً جذريًا لا يمكن وصفه إلا بأنه زلزال وجودي. لم يعد الحديث عن الرقمنة كخيار ترفي أو اتجاه عالمي يمكن تبنيه ببطء؛ لقد أصبح جدارًا عاليًا تُواجهه المؤسسات الإعلامية العربية، إما أن تتسلقه بذكاء واقتدار، أو تبقى خارجه لتشهد أفول نجمها واختفاء صوتها. إن التحول الرقمي في الإعلام العربي تحول من ظاهرة للتفاخر إلى ضرورة، ومن احتمال إلى حتمية، في معادلة جديدة تحكمها السرعة الفائقة والانتشار اللامحدود وتفاعلية الجمهور التي لم يعد بالإمكان تجاهلها.
لقد كانت الثورة الرقمية بمثابة صدمة للمشهد الإعلامي التقليدي. فجأة، وجدت الصحف العريقة التي كانت تتباهى بتاريخها وانتشارها الجغرافي ومطبوعاتها الفاخرة نفسها في سباق مع الزمن، بل ومع اللامكان. لم تعد الأخبار تنتظر دورية الطباعة، ولم يعد الخبر الصحفي محتكرًا بيد المؤسسة التي تملك المطبعة ووسائل التوزيع. لقد انتقلت السلطة تدريجياً، ومن ثم بسرعة مذهلة، إلى فضاء افتراضي تسوده الفورية. هنا، لم يعد المنافس هو الجريدة الصادرة في العاصمة المجاورة، بل أصبح المنافس هو منصة إخبارية عالمية تعمل على مدار الساعة، ومدونًا متخصصًا يبث مباشرة من غرفته، وشابًا يوثق الحدث بكامرة هاتفه قبل أن يصل المراسل إلى الموقع. هذا التحول لم يكن تغييرًا في الوسيط فحسب، من الورق إلى الشاشة، بل كان نقلة في الفلسفة ذاتها. فلسفة الإعلام التي كانت تعتمد على التلقي الأحادي، والتوقيت اليومي أو الأسبوعي، والسلطة المركزية للمحرر، تحولت إلى فلسفة تفاعلية لحظية تشاركية، حيث يكون القارئ أو المستخدم شريكًا في التعليق، والنشر، وربما حتى في صياغة الأولويات الإخبارية.
الثورة الرقمية كانت بمثابة صدمة للمشهد الإعلامي التقليدي. فجأة وجدت الصحف العريقة التي كانت تتباهى بتاريخها وانتشارها الجغرافي ومطبوعاتها الفاخرة نفسها في سباق مع الزمن بل ومع اللامكان
وهنا يبرز التحدي الأكبر للإعلام العربي في رحلته نحو الرقمنة: كيف يحافظ على مكتسباته التقليدية، وأهمها المصداقية وعمق التحليل والمسؤولية الاجتماعية، في فضاء رقمي تشيع فيه الإشاعة، وتتفوق فيه العناوين الصادمة على التقارير المدققة، وتطغى فيه السرعة على الدقة؟ لقد بنت العديد من المؤسسات الصحفية العربية مصداقيتها على مدى عقود، وكانت بمثابة مراجع يُعتمد عليها في خضم فوضى المعلومات. لكن الرقمنة، بوتيرتها المحمومة، تضع هذه المصداقية على المحك. ففي سباق الوصول أولاً، قد تتراجع عمليات التحقق، وفي سعيها لجذب النقرات، قد تلجأ بعض المنصات الرقمية إلى الإثارة والتضخيم على حساب الموضوعية. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تبني الوسيط الرقمي، بل في تبني ثقافته السطحية والتكيف مع منطقها التجاري البحت. لذلك، فإن الرقمنة الحقيقية ليست نقل المضمون من الورق إلى الإنترنت، بل هي إعادة هندسة العملية الصحفية برمتها لتتلاءم مع متطلبات العصر دون التفريط بالجوهر. هذا يتطلب الاستثمار في صحافة البيانات، وفي الفحص الدقيق للمعلومات، وفي إنتاج.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
