تجذب الخطط الطموحة التي تنفذها المملكة العربية السعودية لتوسيع قدرتها في مجال تحلية المياه اهتماماً متنامياً من قبل مشغلي وممولي القطاع الخاص، في إطار مستهدفات تقضي بزيادة الطاقة الإنتاجية بأكثر من 40% بحلول عام 2030، وذلك ضمن «الاستراتيجية الوطنية للمياه» التي تشرف عليها كل من «الهيئة السعودية للمياه» و«وزارة البيئة والمياه والزراعة».
ويهيئ هذا التوسع فرصاً استثمارية بعقود تُقدّر بمليارات الدولارات، مدعومة بالارتفاع المستمر في الطلب على المياه، وتسارع النمو السكاني، واتساع رقعة التنمية العمرانية والصناعية، الأمر الذي يشجع شركات إدارة المياه المحلية والعالمية على توسيع أنشطتها وتعزيز وجودها في قطاع يشكل ركيزة أساسية لأمن المياه ودعامة للنمو الاقتصادي طويل الأجل في المملكة.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن «وزارة البيئة والمياه والزراعة»، تنتج السعودية حالياً نحو 11.5 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يومياً، أي ما يقارب ربع الإنتاج العالمي، ما يجعلها أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم. وتستهدف المملكة رفع هذه القدرة إلى أكثر من 16 مليون متر مكعب يومياً خلال السنوات الخمس المقبلة، في واحدة من أكبر موجات التوسع عالمياً في هذا القطاع.
«الدرعية» السعودية توقع اتفاقية مع «مداد» لبناء فندق ومساكن فورسيزونز
استثمارات بمليارات الدولارات
وتشير تقديرات المؤسسات المتخصصة إلى أن حجم الاستثمارات المتوقعة في قطاع المياه السعودي، بما يشمل التحلية والنقل والتخزين، قد يتجاوز 80 مليار دولار حتى عام 2030، مستفيداً من نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) التي تعتمدها الحكومة بشكل متزايد.
وفي هذا السياق، تُعد شركة «فا تك واباغ» (VA Tech Wabag) الهندية من الشركات التي عززت حضورها في السوق السعودية، بعدما حصلت على عقد من «الهيئة السعودية للمياه» لبناء محطة لتحلية المياه قليلة الملوحة في منطقة الجوف شمال المملكة بطاقة إنتاجية تبلغ 50 ألف متر مكعب يومياً.
وتظهر دراسات صادرة عن «وكالة الطاقة الدولية» (IEA) أن استهلاك الطاقة في تحلية المياه قليلة الملوحة يتراوح بين 1 و2 كيلوواط/ساعة لكل متر مكعب، مقارنة بنحو 3.5 إلى 4.5 كيلوواط/ساعة في تحلية مياه البحر، ما يجعلها خياراً جذاباً للمناطق الداخلية والزراعية والصناعية.
شراكات طويلة الأجل
أكد تركي الشهري، نائب الرئيس الإقليمي لشركة «إنجي» (Engie) الفرنسية، ثاني أكبر منتج للمياه المحلاة في دول مجلس التعاون الخليجي، إن «هناك حزمة ضخمة من المشاريع التي تسعى المملكة إلى تنفيذها بحلول 2030»، مشيراً إلى أن غالبية مشاريع التحلية تُطوَّر من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص بعقود تمتد عادة بين 20 و25 عاماً.
وتُظهر تقارير «البنك الدولي» حول مشاركة القطاع الخاص في البنية التحتية أن مثل هذه المشاريع تحقق عائداً داخلياً يتراوح بين 8 و12% في المشاريع التقليدية، مع إمكانية تحقيق عوائد أعلى عند دمج مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما يمنح المستثمرين استقراراً طويل الأجل وتدفقات نقدية مضمونة.
وأضاف الشهري أن السعودية، إلى جانب الإمارات، تُعد من بين أكبر عشرة أسواق نمو لشركة «إنجي»، لافتاً إلى أن «حجم المشاريع في المملكة استثنائي، إذ تُنفَّذ على نطاق الغيغاواط وبطاقات إنتاج تصل إلى مئات الآلاف من الأمتار المكعبة يومياً، وهو حجم لا يوجد في أي مكان آخر في العالم».
دخول رأس المال الدولي
امتد هذا الزخم إلى المستثمرين الدوليين، حيث اختارت شركة الاستثمار الأميركية «كيه كيه آر» (KKR) أن تكون أولى استثماراتها في السعودية في قطاع تحلية المياه، من خلال صفقة تمويل ائتماني خاص مع «أكوا باور» (Acwa Power)، أكبر مزود لتحلية المياه في المملكة، لتمويل مشروع محطة «رابغ 3» (Rabigh 3) التي تزود مدينة مكة المكرمة بالمياه.
كما أعلنت «أكوا باور» عن الإغلاق المالي لمشروع «رأس محيسن»، بتمويل من تحالف مصرفي يضم «البنك السعودي الفرنسي» و«بنك الرياض» و«البنك السعودي للاستثمار» و«ستاندرد تشارترد» (Standard Chartered)، في مؤشر إضافي على شهية البنوك المحلية والدولية لتمويل مشاريع التحلية السعودية.
أكثر من مجرد محطات تحلية
لا تقتصر فرص التوسع على محطات التحلية وحدها، إذ تشير دراسات صادرة عن «أوليفر وايمان» (Oliver Wyman) إلى أن المملكة تحتاج استثمارات ضخمة في شبكات نقل المياه ومحطات الضخ والخزانات الاستراتيجية، خصوصاً لنقل المياه إلى المدن الداخلية الكبرى.
وتُعد الرياض مثالاً بارزاً على ذلك، إذ تقع على ارتفاع يزيد على 600 متر فوق مستوى سطح البحر، وعلى بعد نحو 400 كيلومتر من أقرب ساحل، فيما يُتوقع أن يرتفع عدد سكانها من 7 ملايين إلى 9.6 ملايين نسمة بحلول 2030. ويتطلب ذلك خطوط نقل عالية الضغط ومحطات ضخ عملاقة، تمثل بدورها عقوداً مستقلة بمئات الملايين من الدولارات.
للعام الثالث.. السعودية تعزز صدارتها للاستثمار الجريء إقليمياً في 2025
تحديات الاستدامة والطاقة
رغم هذا الزخم الاستثماري، تبقى الاستدامة تحدياً رئيسياً. فبحسب بيانات رسمية، شكّلت تحلية المياه نحو 6% من مزيج الطاقة في السعودية عام 2020، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع التوسع في الإنتاج.
وتسعى المملكة إلى مواجهة هذا التحدي عبر ربط مشاريع التحلية بالطاقة المتجددة، في إطار هدفها لتوليد 50 في المئة من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030. وتشير تقارير استشارية لشركة «ماكينزي» (McKinsey) إلى أن دمج الطاقة الشمسية والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفض التكاليف التشغيلية لمحطات التحلية بنسبة تصل إلى 30 في المئة، ويقلل الأعطال واستهلاك الطاقة بشكل ملموس.
في المحصلة، لا يعكس توسع تحلية المياه في السعودية مجرد استجابة لحاجة مائية متزايدة، بل يمثل أحد أكبر مسارات الاستثمار طويل الأجل في البنية التحتية عالمياً، يجمع بين الأمن المائي، وجذب رأس المال الخاص، والتحول التدريجي نحو حلول أكثر كفاءة واستدامة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

