شهادات عسكرية ودبلوماسية.. كيف شاركت مصر في تجربة الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا من الصعود إلى حماية أسرته بعد الاغتيال؟

لم تتوقف نسخة بطولة الأمم الإفريقية التي تستضيفها المغرب حاليا عند إثارة متابعيها بالأهداف الحاسمة والمواجهات القوية؛ بل أخذت أبعادا أخرى خارج منافسة الملعب؛ فقد استحوذت لقطة تجاوزت اهتمام محبي كرة القدم، بطلها مشجع كونغولي ظل واقفا طيلة مباريات منتخب بلاده بالمدرجات، في لحظة تشبه زعيم التحرر الوطني في الكونغو الديمقراطية باتريس لومومبا.

المشجع الواقف.. من السخرية إلى منصة التكريم

وانتهى مشوار منتخب الكونغو الديمقراطية في البطولة بالخسارة بهدف قاتل أمام الجزائر في دور الـ16، لكن ما حدث بعد صافرة النهاية لم يقل إثارة وجدلا عن ما جرى قبلها في المباراة، بعدما توجّه اللاعب الجزائري محمد الأمين عمورة إلى المدرجات التي اعتاد فيها مشجع «لومومبا» الوقوف، قبل أن يسقط أرضًا في تقليد وسخرية أثارت جدلًا واسعًا.

وسرعان ما قدّم اللاعب اعتذارًا عبر «إنستجرام»، مؤكدًا أن الاحتفال جاء بدافع المزاح دون نية إساءة أو إدراك للرمزية الوطنية التي يجسدها المشجع الكونغولي.

وفي لفتة تقدير، قدّم وزير الرياضة الكونغولي ديدييه بوديمبو للمشجع سيارة فاخرة، تكريمًا للصورة الإيجابية التي عكسها عن بلاده.

باتريس لومومبا.. رحلة النضال والمعتقل وتشكيل الحكومة

وُلد باتريس إيمري لومومبا عام 1925 بإقليم كاساي في الكونغو، وتلقى تعليمه في المدارس التبشيرية، قبل أن يعمل بالبريد، حيث عايش واقع الفصل العنصري الذي فرضه الاستعمار البلجيكي، ما أسهم في تشكّل وعيه الوطني مبكرًا. وبفعل تنقله المستمر، نسج علاقات واسعة مع القوى الإفريقية، وطوّر معارفه في القانون والاقتصاد بالممارسة.

في عام 1958، برز حضوره القاري بمشاركته في مؤتمر أكرا، ثم أسس حزب «الحركة الوطنية الكونغولية» داعيًا إلى الاستقلال الكامل والوحدة الوطنية، وقاد احتجاجات شعبية واسعة عام 1959 انتهت باعتقاله. غير أن السلطات البلجيكية اضطرت للإفراج عنه للمشاركة في مفاوضات «المائدة المستديرة» ببروكسل، التي أقرت استقلال الكونغو وإجراء أول انتخابات ديمقراطية.

وفي 21 يونيو 1960، أصبح باتريس لومومبا رئيسًا للوزراء، ليكون أول رئيس حكومة وطني في تاريخ الكونغو، فيما انتُخب جوزيف كازافوبو رئيسًا للجمهورية. وبعد أيام، وفي 30 يونيو، ألقى لومومبا خطابًا تاريخيًا حادًا أمام ملك بلجيكا خلال مراسم الاستقلال، ردّ فيه على دعوة الملك لعدم التسرع، مذكّرًا الكونغوليين بسنوات القهر والاستغلال ونهب الثروات، ومؤكدًا أن الاستعمار فرض السجون والرصاص والإهانات على شعبٍ لم يطالب إلا بكرامته الإنسانية، وفقا لما قاله موقع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري في حكايته عن شارع لومومبا في الإسكندرية.

حكومة الطلبة والانقلاب على لومومبا

في عام 1960، اشتعلت أزمة الكونغو التي بدأت بمحاولة حصار زعيم حركة الاستقلال الكونغولية باتريس لومومبا، والسعي لتصفيته. وتورطت أطراف دولية عديدة في هذه الأزمة.

لم تكن مصر بعيدة عن هذه الأزمة، إذ ساندت وساعدت حركات التحرر الوطني في إفريقيا كلها، ومنها الكونغو، وربطتها علاقات وطيدة بقياداتها، وبدأ الكثيرون من فصائلهم في مصر التي هيأت لهم إقامة مكاتب في القاهرة، بحسب مذكرات وزير الخارجية الأسبق مراد غالب، التي صدرت بعنوان: "مع عبد الناصر.. سنوات النصر وأيام المحن" عن مركز الأهرام للترجمة والنشر.

ويقول غالب، وكانت بلجيكا، وهي الدولة التي كانت تستعمر الكونغو، قد وضعت للبلاد «القانون الأساسي»، بصياغة قصدت منها عدم الوضوح، بحيث يظل تصريف الأمور في يدها، وأن تكون هي الحكم في كل شيء، ما جعل الكونغو يتحول إلى ساحة أو مركز للصراع.

أقدم كازافوبو، وكان رئيسًا للجمهورية، على خلع باتريس لومومبا من منصبه كرئيس للوزراء، وكان ردّ لومومبا عليه أنه رئيس الوزراء وزعيم حركة التحرر في بلاده، ولا يعترف بكازافوبو رئيسًا.

وفي داخل الكونغو بدأت عملية محكمة لمحاصرة لومومبا، إذ كان يعيش داخل حلقة حماية من قوات الأمم المتحدة، وحولها طوق من الجيش الكونغولي الذي يدين بالولاء لموبوتو. وقد بدأ من جانبه في تشكيل حكومة جديدة، عُرفت باسم حكومة الطلبة، لأنه شكّلها من الطلبة، حيث لم يكن في الكونغو شخص واحد قد تخرج في الجامعة.

وتاعب غالب: "ذهبت مجموعة منا تضم سفراء أفارقة لمقابلة موبوتو نستفسر منه عن الأوضاع في الكونغو، وعن مصير لومومبا، فوجدناه واقفًا عند باب مكتبه يمنعنا من دخوله. فقلت له: هل يصح أن تمنع دخول سفراء أفريقيا إلى مكتبك؟ وأزاحني بيده عن طريقي، فدخلنا المكتب ووجدنا الطلبة مجتمعين، فعرفنا أنه شكّل منهم حكومة".

حضور عسكري مصري في الكونغو.. سعد الدين الشاذلي يتولى القيادة

وذكر الدكتور غالب في مذكراته، أن تلك الأوضاع غير المستقرة أوجدت حاجة تواجد عسكري مصري في الكونغو، بقوله قرر: "داج همرشولد، السكرتير العام للأمم المتحدة، أن يرسل قوات دولية لمنع التدهور. ونظرًا لأنه كان يريد أن تشارك فيها دول العالم الثالث، فقد لجأ إلى تشكيل قوة دولية من الدول الإفريقية المستقلة، وكان لنا ضمنها كتيبة مصرية تتبع الأمم المتحدة ويرأسها الصاغ (الرائد) سعد الدين الشاذلي، بالإضافة إلى كتائب لدول أخرى".

وعن ذلك الاختيار وتلك المهمة، قدم الفريق الشاذلي شهادته ضمن حلقات برنامج شاهد على العصر الذي عرضته شاشة الجزيرة.

ويقول الشاذلي، إن اختيار قائد المهمة العسكرية الأولى في الكونغو لم يكن قرارًا عشوائيًا أو فرديًا، مرجّحًا أن يكون قد جرى عبر مشاورات داخل القيادة العليا، وربما بموافقة الرئيس جمال عبد الناصر نفسه.

وأضاف أنه فوجئ لاحقًا بحجم المسئولية الملقاة على عاتقه، إذ طُلب منه تجهيز الكتيبة كاملة خلال 24 ساعة فقط، بما يشمل الأفراد والمعدات والمظلات وكل المتطلبات اللوجستية، في وقت قياسي يعكس طبيعة المهمة الاستثنائية وأهميتها العسكرية والسياسية في آن واحد.

وأشار إلى أن الكتيبة تكوّنت من ثلث جنود سوريين، مقابل ثلثين من الجنود المصريين، معتبرًا أن هذه التجربة مثلت سابقة في التاريخ العسكري العربي الحديث، إذ كانت المرة الأولى والأخيرة التي جرى فيها دمج قوات من البلدين في وحدة عسكرية واحدة تحت قيادة موحدة.

وأوضح الفريق سعد الدين الشاذلي، أن التفكير في الاقتراب من العاصمة الكونغولية وتعزيز الحضور المصري لم يبدأ إلا بعد سقوط الزعيم باتريس لومومبا، مؤكدًا أن وجوده شمال البلاد أو جنوبها لم يكن ذا أهمية تُذكر طالما ظل لومومبا في الحكم. غير أن انقلاب الأوضاع مع وصول موبوتو إلى السلطة غيّر المعادلة بالكامل.

ولفت الشاذلي إلى أن موبوتو (رئيس أركان الجيش الكونغولي الذي انقلب ضد لومومبا)، ومنذ اليوم الأول لتوليه الحكم، بدأ في شنّ هجوم سياسي وإعلامي عنيف ضد مصر والرئيس جمال عبد الناصر، ووجّه اتهامات مباشرة للقاهرة بالاستعمار، داعيًا إلى تجاهل دورها داخل إطار الأمم المتحدة، مضيفا أن هذا التحول جعل النظام الجديد ينتقل من حالة الموالاة لمصر إلى العداء الصريح لها، وهو ما استدعى من وجهة نظره ضرورة امتلاك أدوات تأثير حقيقية على الأرض.

حماية مصالح مصر: تغير خريطة التواجد العسكري

ويروي الشاذلي، أن هذا التحول العدائي دفع القيادة المصرية إلى إعادة تقييم موقفها، مبيّنًا أن استمرار وجود نظام معادٍ لمصر في قلب إفريقيا شكّل تهديدًا استراتيجيًا، لا سيما مع لجوء الكونغو إلى الأمم المتحدة وفتح المجال أمام نفوذ القوى الكبرى.

وفسّر أن القاهرة اتجهت آنذاك إلى امتلاك أدوات تأثير مباشرة على الأرض، ولو بشكل محدود، موضحًا أنه رغم وجوده في أقصى شمال مصر، نُفذت عمليات دعم عسكري سرية، شملت تسيير طائرات «إليوشن 14» على دفعات صغيرة تقل أعدادًا محدودة من الأفراد.

وأضاف أن الطائرة كانت تعمل بحمولة لا تتجاوز 20 فردًا في الرحلة، مع تكرار الطلعات عدة مرات، إلى أن جرى في النهاية حشد نحو 200 عسكري في مطار «لوبومباشي»، دعمًا للقوى المناهضة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة الشروق

منذ 7 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 4 ساعات
بوابة الأهرام منذ 9 ساعات
صحيفة الوطن المصرية منذ 12 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 19 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 10 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 14 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 5 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 17 ساعة