يصل الصوت قبل الضوء. نعم، في شوارع مدينة بالما القديمة الهادئة، وبعد حلول الفجر مباشرةً، تُفتح الأبواب الخشبية على مصراعيها تدريجياً، ما يشكل إيقاعاً رقيقاً يعلن بدء اليوم على أرض الجزيرة. وهنا، يحمل الهواء عطرين متنافسين: ملح البحر الأبيض المتوسط ودفء الإنسيمادا المخمّر، أي المعجنات ذات الشكل الحلزوني التي تشكل إحدى مميزات مايوركا حيث تُخبز في أفران يعود بناؤها إلى قرون مضت. إنها بالما في غير موسمها، أي حين تعود إلى طبيعتها ويصبح حجرها الرملي دافئاً بفعل أشعة الشمس فيما يتحرك الوقت حسب إيقاعه الحقيقي.
مصدر الصورة: Unsplash Palma Mallorca 1 via unsplash monika-guzikowska مصدر الصورة: Unsplash Palma Mallorca 1 via unsplash chloe-lefleur
في الواقع، تعني زيارة المدينة في هذه الفترة الهادئة من العام رؤيتها وهي تتنفس الصعداء. فمن نافذة الطائرة يتغيّر المشهد وينتقل من حرارة الصيف الحارقة إلى منظر أكثر اعتدالاً: تلال ووديان ذات لون أخضر عميق يلطفه ضوء خفيف. وفي هذه الفترة تتراجع أعداد الحشود، وتخفت الطاقة الصاخبة، ولا يبقى سوى طابع الجزيرة الأصيل. وعند الخروج إلى الهواء النقي، يسود الهدوء على الفور ويخيّم على شوارع المدينة الكبرى والمرسى كوعد تم الوفاء به.
كيف تبدأ يومك؟
Bakery mallorca 1 مصدر الصورة: Unsplash Palma Mallorca 1 via unsplash felix-4 1
تصبح الحياة العصرية أمراً غير ملح. بالفعل، تقدم لك بالما شيئاً نادراً إلى حد ما فرصة لإبطاء الإيقاع. وهنا، في عاصمة مايوركا القديمة، ثمة اكتشاف جديد ينتظر الباحثين عن زمن قديم أكثر هدوءًا. لذا، يبدأ يومك في متاهة حجرية تشكل المركز التاريخي لبالما. وهكذا يغمر الساحات البلاسا باللغة الكتالونية - سكون عميق في هذه الساعة قبل أن تبدأ المقاهي بفتح أبوابها المعدنية. لقد زرت بدوري هذه الشوارع مراراً وتكراراً في الأشهر الباردة ولم تصبح أقل جاذبية. في الواقع، هو أمر مريح ورائع أن تكون أول الواصلين قبل أن تستيقظ المدينة بشكل تام.
بمَ أنصحك؟ توجه إلى فورنيت دي لا سوكا، المخبز الذي يشتهر بإعادة إحياء وصفات مايوركا، أو إلى كان جون دي سيغو حيث يلتقي السكان المحليون منذ العام 1700 للاستمتاع بتناول الشوكولاته الساخنة والمعجنات. إذاً اطلب قهوتك والإنسيمادا النباتي، الخيار المناسب للزوار الباحثين عن الأكل الحلال، علماً أنه يتيح لك تجربة مذاق الجزيرة الأصيل. واجلس على مقعد وشاهد المدينة وهي تنبض بالحياة فيما تتبادل النساء المسنات أحاديث الصباح ويفتح أصحاب المتاجر أبوابهم بمفاتيح تبدو وكأنها تعود إلى قرون مضت. إنها بالفعل مدينة تدرك المعنى الحقيقي للإيقاع البطيء وترفض نمط الحياة السريع.
أفضل الأنشطة
Es Baluard Museu Mallorca Mallorca Views via palma riad 2
فيما يبقى طعام اللوز والقهوة عالقاً على لسانك، ارجع إلى الأزقة حيث تتبدى عظمة بالما لكن ليس بشكل مفاجئ، بل تدريجياً. وعند المنعطف، ستظهر أمامك فجأة كاتدرائية سانتا ماريا دي مايوركا (كاتدرائية بالما): بناء قوطي ضخم شُيد من الحجر الرملي وزُين بالزجاج الملون، فيما بات تصميمه الداخلي المرمّم يحمل توقيع أنطونيو غاودي. ومن أبرز معالم المكان القبة ذات الطابع السريالي والشكل المستوحى من إكليل الشوك الذي يرتفع فوق المذبح الرئيسي. بالفعل، يفرض المشهد صمتاً يتيح لك الاستماع إلى أنفاسك.
فتأمل الكاتدرائية ثم توجه صعوداً نحو متحف إس بالوارد للفن المعاصر في بالما. واعلم أنه تم بناء صالة العرض الحديثة ببراعة داخل حصن سانت بير، الجدار الدفاعي الضخم الذي يعود إلى القرن السادس عشر حين كان يصد الغزوات البحرية. فمقابل 6 يورو فقط، يمكنك الدخول ومشاهدة مجموعة رائعة من أعمال خوان ميرو والأسوار القديمة نفسها. وهنا، تتيح لك الشرفات الاستمتاع بإطلالة خلابة على المرسى. وأنا أتذكّر توقفي في هذه الوجهة خلال فترة الظهيرة حيث لم يخترق الصمت إلا أزيز يخت بعيد ينزلق على مساحة المياه المفتوحة. هو هذا الشعور بالسكينة الذي أصبح معياراً يمكن الاعتماد عليه للحكم على أي شيء آخر.
أماكن الإقامة
Palacio Can Marques by Puro 2 Palacio Can Marques by Puro 1 Palma Riad Mallorca 2 Palma Riad Mallorca
ينبغي أن يعزز مكان إقامتك لديك الشعور بالخصوصية. لذا توجه إلى قلب المدينة القديمة حيث يشغل بالاسيو كان ماركيس مبنى قصر يعود بتاريخه إلى القرن الـ18. وهو يتميز بأسقفه المزيّنة على طريقة الجدرايات وبمساحاته الداخلية التاريخية، ما يجعله أقرب إلى متحف منه إلى مكان إقامة. ويوفر هذا المكان ملاذات هادئة تشكل الخصوصية جوهرها. لكن إذا كنت تبحث عن مزيد من العزلة، اذهب إلى بالما رياض الذي يستعير التقاليد المغربية ليشكل واحة حضرية مصممة لضمان الخصوصية المطلقة. وهنا تجد عالماً قائماً بذاته بعيداً عن أنظار العامة. إنه قصرك الخاص، إيقاعك الخاص. وهكذا تبقى المدينة قريبة بما يكفي لتتمكن من الاستمتاع بأجوائها، وبعيدة بما يكفي لتتمكن من التقاط أنفاسك. هو بالفعل ملاذ حقيقي.
لحجز إقامتك في بالاسيو كان ماركيس،
لحجز إقامتك في بالما رياض،
أماكن الطعام
Dins Santi Taura Mallorca 1 Dins Santi Taura Mallorca 2
خلال الظهيرة، تضج الشوارع بالأحاديث. بالفعل، يتميز أهل مايوركا بحس ترحيبي مرح لافت فهم مفعمون بالدفء والحيوية، إلا أنهم لا يستعجلون الأمور أبداً. ويدرك هؤلاء تماماً ما نسيه كثير من الناس: أن تناول الطعام احتفال. لذا، تجد في مؤسسات متواضعة مثل مطعم أرزاباشي أطباق الجزيرة الأصيلة التي تقدم بأسعار تبدو كأنها ترتبط بعقد آخر. وإذا أردت أن تحظى بتفسير راقٍ لهذا، احرص على حجز طاولة في دي إن إس سانتا تاورا. فهنا، يستحضر أشهر طهاة الجزيرة وصفات الباليار التاريخية بدقة علمية، وهو نهج أكسب المطعم نجمة ميشلان. ويعتمد المكان أسلوباً أشبه بالكيمياء، حيث يقدم طبق السردين المتواضع بلمسة الكافيار، لحم الضأن الجبلي المطهو ببطء حتى النضج التام، وجراد البحر المحلي المزين بصلصات مستخرجة من كتب وصفات تعود إلى قرون مضت. إنه التاريخ يقدّم على طبق وهو لذيذ بشكل مذهل.
برنامج ما بعد الظهر
مصدر الصورة: Unsplash Palma Mallorca via unsplash anenelie مصدر الصورة: Unsplash Palma Mallorca 1 via unsplash belinda-fewings مصدر الصورة: Unsplash Palma Mallorca via unsplash oscar-nord
بعد الغداء، تُغلق النوافذ مجدداً، ويحين موعد القيلولة التي تشكل عادةً ثقافية إلى جانب كونها وقتاً للراحة. وهي انفصال متعمد عن ضغوط الإنتاج المستمرة. ويعتبر الاستسلام التام لها احتضاناً لفلسفة الجزيرة الجوهرية. وفي ذلك الظلام الهادئ، تتلاشى إيقاعات الحياة اليومية الصاخبة. هي عملية إعادة ضبط، ولحظة انفصال عميق تتيح التواصل الحقيقي لاحقاً.
ومع اعتدال شمس ما بعد الظهر، تنبض المدينة بالحياة مجدداً. إنها الساعة الذهبية حيث يتلألأ حجر بالما الجيري بنور داخلي دافئ. وفي هذه الحال، يصبح التنزه على طول أسوار المدينة القديمة، باسيج دي روندا، أمراً لا بد منه. ومن هذا الموقع المميز، يمكنك مشاهدة أفق المدينة وهويتجه نحو الغروب، ومراقبة السكان وهم يستمتعون بنزهة مسائية تقليدية تشكل ختام يوم لطيفاً.
في النهاية، عليك الرحيل. لكنّ هدية بالما سترافقك دائماً. فما تقدمه لك هو ما لا يمكنك شراؤه، بل ما تتيح لك استعادته: الوقت، الاهتمام، والقدرة على الشعور بالدهشة. كما أنك ستحمل معك إيقاعها الإيقاع البطيء، والإصرار على المتعة. وهكذا ستتذكر أصوات فتح الأبواب، ومنظر غروب الشمس الذي يحوّل المرسى إلى مشهد ذهبي اللون فيما تتأمله من أسوار المدينة العتيقة. كما ستسترجع شعور السفر عبر العالم بوتيرة متفاوتة. وبعد رحليك ستبقى الجزيرة هناك، تسير وفقاً لإيقاعها الخاص. وهذه، بطريقة ما، هي الفكرة الأكثر قدرة على جعلك تشعر بالارتياح.
هذا المحتوى مقدم من مجلة List





