في عالم يملؤه صخب الأرقام المتصاعدة والبيانات المتلاحقة، يبرز اقتصادٌ ناعمٌ بهدوء، يفكر بعمق، يختار أن يعلو فوق ضجيج اللحظة العابرة، إنه اقتصاد يعيد تعريف علاقته بالمال والائتمان، حيث لا يُقاس النجاح بحجم النمو فقط، بل بحكمة إدارة الموارد ووعي المجتمع بدور الدين والادخار في بناء مستقبل مستقر، هذا هو الاقتصاد الذي نقرأه في أرقام التقرير المالي الأخير، اقتصاد يهمس أكثر مما يصرخ، يدعو إلى التفكر قبل العجلة، وإلى الاتزان قبل التوسع العشوائي.
ليست أرقام تقرير وزارة المالية والاقتصاد الوطني للربع الثالث من عام 2025 مجرد بيانات دورية تُقرأ في سياق مالي ضيق، بل هي نص اقتصادي مفتوح يشي بتحولات أعمق في سلوك المجتمع، وفي مزاج السوق، وفي الطريقة التي تعيد بها الدولة والمصارف تعريف أدوارها في مرحلة تتراجع فيها اليقينيات وترتفع فيها كلفة القلق، فالنمو السنوي لقروض مصارف التجزئة بنسبة 4.8%، وصولاً إلى نحو 12.7 مليار دينار، لا يعكس اندفاعة استهلاكية بقدر ما يكشف عن بحث هادئ عن الاستقرار، وعن إعادة تموضع واعية للسيولة داخل الاقتصاد المحلي.
استحواذ القروض الشخصية على 48% من إجمالي القروض، وبلوغها 6.1 مليار دينار، لا يمكن فهمه بمعزل عن تركيبته الداخلية، حيث تشكّل القروض العقارية أكثر من نصفها بنسبة 51.2%. هنا لا نتحدث عن طلب سكني تقليدي، بل عن تحوّل في معنى الاقتراض ذاته، فالدين لم يعد أداة لإنفاق مؤجل، بل وسيلة لتحويل السيولة إلى أصل، ولتثبيت الطمأنينة الأسرية، هذا التحول الثقافي في نظرة المجتمع للديْن يكشف أن الفرد لم يعد يقترض ليستهلك، بل ليحتمي، وهي زاوية لم تحظَ بعد بما تستحقه من قراءة معمقة في الخطاب الاقتصادي المحلي.
في المقابل، فإن التراجع الطفيف في قروض قطاع الأعمال بنسبة 0.3%، رغم استحواذه على 40.8% من إجمالي القروض، لا يعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما يعكس حذراً.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن البحرينية
