ربى الرياحي في زحمة الحياة اليومية، تحدث ممارسات خفية غير معلنة قد تنم عن إقصاء غير مقصود تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة. ليس بالضرورة أن تقال هذه الممارسات بصوت مرتفع، فبعضها يتسلل بهدوء، ويختبئ خلف الكلمات العادية، والنظرات العابرة، والمواقف التي تبدو بريئة. تلك هي الوصمة الصامتة.
يبدأ الإقصاء من تفاصيل صغيرة، كنبرة شفقة ترافق حديثا مع شخص ذي إعاقة، أو صمت محرج يسود حين يحاول المشاركة في نقاش، أو حتى نظرة دهشة عند تحقيقه إنجازا بسيطا. لا أحد يصرّح بالرفض، لكن الرسالة تصل واضحة: أنت مختلف. فالوصمة الصامتة لا تحتاج إلى كلمات جارحة لتؤذي، بل تكتفي بغياب الوعي.
إقصاءات يومية يعيشها ذوو إعاقة
تكمن خطورة هذه الإقصاءات اليومية في أنها تمارس بلا قصد؛ فالموظف الذي يتحدث مع شخص يعاني صعوبة في النطق لا يقصد الإساءة، والمعلم الذي يتجاهل مشاركة طالب من ذوي الإعاقة لا يرى نفسه ظالما، لكنه يرسخ، من حيث لا يدري، شعورا بالتهميش والانكسار. إنها وصمة بلا ضجيج، لكنها تبني جدارا من العزلة يوما بعد يوم.
إن الحديث عن الإقصاء لا يعني دائما اتهاما مباشرا، بل دعوة للتحرر من العادات اليومية التي صارت تمارس تحت غطاء اللطف، ودعوة لإعادة النظر في اللغة، والبنية، وطريقة التواصل، وفي المسافة الخفية التي نتركها بيننا وبين الآخر المختلف. فالتمييز اليوم لم يعد يرتدي وجه الرفض الصريح، بل أصبح يتقن التخفي في العادي والمألوف. والعدالة الحقيقية تبدأ من لحظة إدراك أن أصغر التفاصيل قادرة على أن تقصي أو تحتضن.
"نحتاج إلى ثقافة اعتراف لا شفقة"، بهذه الكلمات يروي سامي، وهو شاب يستخدم الكرسي المتحرك، تجربته مع الإقصاء. يقول إنه أثناء زيارته لإحدى المؤسسات للتقديم على منحة تدريب، تعرض للتجاهل. حضر سامي مبكرا بابتسامة متفائلة وملف يحمل إنجازاته الأكاديمية وشهاداته التطوعية. لم يكن يطلب امتيازا بل فرصة عادلة، لكن ما واجهه لم يكن رفضا مباشرا بل شيئا أعمق وأكثر صمتا.
قصص وتجارب يرويها ذوو إعاقة
كانت النظرات أول من تحدث؛ نظرات سريعة ثم انسحاب بصري، كأن حضوره مستهجن. وعندما نادوا أسماء المرشحين واحدا تلو الآخر، نودي الجميع إلا هو. دفعه ذلك إلى سؤال الموظفة عن سبب تجاوز اسمه، فأجابت بتوتر، مبررة الموقف بأنها لم تكن تعرف أنه من المرشحين. في تلك اللحظة لم يقل شيئا، بل ابتلع الإحراج بابتسامة صغيرة، وشعور لا يرى ولا يعلن تسلل إلى أعماق روحه.
ورغم أن أحدا لم يكن ينوي استبعاده، إلا أن الفكرة الضمنية المسيطرة كانت أن مكانه ليس هنا، وهو ما جعل سامي يدرك أن أخطر أشكال الإقصاء هي تلك التي لا يلاحظها أحد، حتى من يمارسها.
إبراهيم هو أيضا شاب من ذوي الإعاقة الحركية، يعمل في قسم التسويق بإحدى الشركات. وكالعادة، تمت دعوة جميع الموظفين لاجتماع مهم لمناقشة مشروع كبير، وكان من الطبيعي أن يحضر كل أعضاء الفريق. ومع ذلك، عندما وصل إبراهيم إلى المكتب، اكتشف أن دعوة الاجتماع لم تصل إليه، بينما تلقاها زملاؤه الآخرون. لم يكن هناك قصد مباشر لإقصائه، لكن هذا التجاهل الصامت كان واضحا.
أثناء الاجتماع، ناقش الفريق عدة أفكار وخطط، ولم يطرح عليه أي سؤال، وكأن حضوره مجرد وجود شكلي. شعر إبراهيم بثقل اللحظة؛ كانت الوصمة الصامتة هي التي جعلته يشعر أنه أقل قيمة، وأن مشاركته ليست مهمة. وبعد انتهاء الاجتماع، حاول زملاؤه تصحيح الموقف، لكن إبراهيم لم ينس تلك اللحظات الصغيرة التي تتراكم يوميا لتبني جدارا غير مرئي من العزلة. لم تكن هناك كلمة جارحة ولا نظرة استهجان، لكن التجاهل الصامت كان أكثر تأثيرا من أي تصرف مباشر.
تصرفات مجتمعية تؤثر سلبا
وتقول خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم إننا في مجتمعاتنا كثيرا ما نتحدث عن حقوق ذوي الإعاقة، وعن أهمية دمجهم وتمكينهم، لكن في الواقع ما يزال كثير منهم يواجه إقصاء غير مقصود، ناتجا ليس عن الرفض، بل عن الجهل، أو المبالغة في الحماية، أو نظرة الشفقة التي تضعهم على هامش المجتمع.
ويبدأ الإقصاء غير المقصود حين نتحدث عنهم بصيغة "المسكين"، أو "البطل"، وحين نبقيهم متفرجين في الأنشطة بدافع الخوف عليهم، أو حين نصمم مباني لا تراعي احتياجاتهم، فنمنعهم من الوصول دون أن نقصد ذلك. وهي أفعال صغيرة، لكنها تترك أثرا كبيرا في نفوسهم، وتذكرهم بأن المجتمع ما يزال ينظر إليهم كاستثناء.
وتشير إلى أن القوانين والتشريعات الحديثة في الأردن والعالم العربي وضعت أسسا مهمة لضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، من التعليم إلى التوظيف والمشاركة المجتمعية، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع.
فوجود قانون يجرّم التمييز لا يكفي إذا لم تلزم المؤسسات بتوفير التسهيلات البيئية والتقنية، وإذا لم يتحول الإدماج إلى ثقافة يومية في المدارس والدوائر العامة وأماكن العمل. فالقانون هو البداية، أما التغيير الحقيقي فيبدأ عندما يدرك المجتمع أن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
