تتساقط المشاهد والصور كقطرات المطر فجأة في طقس ما بين بين، تقف مندهشاً أنها لم ترحل من الذاكرة، بل اختبأت في ثناياها، بل حتى الأصوات لمن كانوا هنا أو هناك لا تزال ترددها نسمات ذاك المساء.
الذاكرة ليست خزانة مغلقة نفتحها حين نشاء، ولا ألبوماً من الصور القديمة نعود إليه بدافع الحنين. الذاكرة كائن حيّ، يتنفس في تفاصيلنا اليومية، في أسماء الشوارع، في لهجة الناس، في الحكايات التي تُروى همساً، وفي تلك التي لم تُروَ أبداً. هي ما تجعل المكان أكثر من جغرافيا، والزمان أكثر من تاريخ مدوَّن. والمكان عندما يُمحى أو تتغيَّر معالمه، بشكلٍ متعمَّد، أو حتى بنيات حسنة، أو بدافع الحداثة، يبقى من المهم أن تبقى ذاكرة المكان حيَّة. تداعت كل تلك الأفكار والصور وأنا أحاول أن أجد الطريق لذلك المركز الثقافي العريق الساكن في قلب الذاكرة الجميلة. علمت أن عليَّ أن أحضر مبكراً، لأن هناك أعمال بناء وحفر في مدينتي العتيقة، بل المعتقة بحكايات أهلها و«سوالف» أمهاتنا وجداتنا وهمس الرجال الجالسين أمام ذاك الدكان في أول الشارع أو القهوة الشهيرة بعده وهم يحاولون سرقة البصر نحو فتاة أو امرأة عابرة سريعاً من دون أن تلحظ ذلك، أو هكذا كانوا يتصوَّرون. بعضهم لا يستطيع كبح الرغبة بالتمعُّن في الأنثى، ورغم ذلك تبدو تلك السرقات البصرية بريئة جداً أمام ما يحدث اليوم علناً وجهراً!
اختفت المعالم، أو بعضها، بين أكوام التراب والجرافات، وولجت في رحلة بين جُدران البيوت العتيقة في أزقة أيقظت الذاكرة، بل كل الطفولة بصورها الفرحة البريئة والمثيرة أحياناً. الطريق كان شبيهاً بتتبُّع الأثر مع وشوشة البيوت القديمة. طفحت كل الصور فوق التراب والجرافات، بل أصبحت أكثر وضوحاً الآن، رغم أنني تصوَّرت أنها مع فعل عوامل الزمن والعُمر قد محيت.
هنا نكتشف أن الذاكرة تبقى حيَّة رغم كل تعاريج الزمن والبشر! لم تكن الذاكرة يوماً بريئة، ولم يكن استهدافها فعلاً عشوائياً. صار الماضي ساحة معركة، وصارت الذاكرة هدفاً مشروعاً. فالتاريخ الذي لا يُروى كما كان، يُعاد تشكيله كما يُراد له أن يكون. لكن هناك بالطبع محاولات إنقاذ للذاكرة في المحافظة على الجدران قبل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة
