حقوق الإنسان في إيران تحت مجهر العالم وسط تقارير عن قمع متصاعد وقيود مشددة على الحريات.

يواصل ملف حقوق الإنسان والحريات العامة في إيران إثارة جدل واسع على المستويين المحلي والدولي، في ظل تقارير متكررة صادرة عن منظمات حقوقية وأممية تتحدث عن قيود مفروضة على حرية التعبير والتجمع، وتشديد الرقابة على الإعلام والإنترنت، إلى جانب قضايا تتعلق بحقوق المرأة والأقليات وعقوبات الإعدام. وبينما تؤكد السلطات الإيرانية التزامها بالقوانين الوطنية وسيادتها الداخلية، تتصاعد الانتقادات الدولية والمطالب بإجراء إصلاحات تعزز مناخ الحريات وتحسين الأوضاع الحقوقية في البلاد.

رصد الانتهاكات في احتجاجات يناير 2026 تشهد إيران منذ 28 ديسمبر 2025 موجة احتجاجات واسعة امتدت إلى أكثر من 180 مدينة، في واحدة من أكبر التحركات الشعبية التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة. وجاءت هذه الاحتجاجات على خلفية انهيار حاد في العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، قبل أن تتطور سريعًا إلى مطالب سياسية وحقوقية أوسع، شملت الدعوة إلى إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية.

ووفقًا لتقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، واجهت السلطات الإيرانية هذه الاحتجاجات بحملة قمع وُصفت بأنها دموية، استخدمت خلالها قوات الأمن القوة المفرطة والأسلحة النارية لتفريق المتظاهرين، الذين أكدت المنظمات الحقوقية أن غالبيتهم كانوا سلميين.

وأفادت منظمات حقوقية بأن حصيلة الضحايا تجاوزت 500 قتيل حتى 11 يناير 2026، من بينهم أطفال، نتيجة استخدام الرصاص الحي والكريات المعدنية. وفي هذا السياق، أكدت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها، مقتل 490 متظاهرًا و48 من أفراد الأمن، إضافة إلى اعتقال أكثر من 10,600 شخص خلال الاحتجاجات، استنادًا إلى معلومات جمعها نشطاء من داخل إيران وخارجها.

وبحسب التحقيقات الحقوقية، شاركت في عمليات القمع قوات متعددة، من بينها الحرس الثوري الإسلامي وقوات الشرطة الإيرانية المعروفة اختصارًا بـ FARAJA، حيث استخدمت بشكل غير قانوني البنادق، وبنادق الصيد المحمّلة بالكريات المعدنية، والغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه، إلى جانب الضرب المباشر، بهدف تفريق وتخويف المتظاهرين.

وأفادت البعثة الدولية المستقلة لتقصّي الحقائق بشأن إيران بأنه حتى 7 يناير وردت تقارير عن مقتل أكثر من 40 شخصًا في عدد من المحافظات الإيرانية، غالبيتهم من الرجال، من بينهم ما لا يقل عن خمسة أطفال.وكانت محافظتا لورستان وإيلام من أكثر المناطق تضررًا، حيث سُجلت فيهما أعلى أعداد القتلى، إضافة إلى محافظات أخرى مثل تشهارمحال وبختياري، وفارس، وكرمانشاه، وأصفهان، وهمدان، وقم.

وفي 8 يناير 2026، فرضت السلطات الإيرانية انقطاعًا شاملًا للإنترنت، في خطوة اعتبرت المنظمات الحقوقية أنها تهدف إلى التعتيم الإعلامي وإخفاء حجم الانتهاكات ومنع توثيق الجرائم المرتكبة بحق المتظاهرين. وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن استخدام القوة المميتة تصاعد عقب قطع الإنترنت، ما أدى إلى سقوط مزيد من القتلى والجرحى.

كما وثّقت المنظمات الحقوقية ضغوطًا مورست على عائلات الضحايا، شملت إنكار السلطات مسؤوليتها عن عمليات القتل، وإجبار بعض العائلات على الظهور في وسائل الإعلام الرسمية لتوصيف الوفيات على أنها حوادث عرضية، مع تهديدهم بالانتقام أو الدفن السري في حال عدم الامتثال.

وأظهرت الأدلة التي جمعتها منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، وقوع إصابات واسعة النطاق، خاصة في الرأس والعين، نتيجة الاستخدام المكثف للكريات المعدنية، إضافة إلى إصابات ناجمة عن الضرب وإطلاق النار. كما خلصت المنظمات إلى أن وجود قوات الأمن داخل المستشفيات ردع العديد من المصابين عن طلب العلاج، ما زاد من خطر الوفاة.

وفي ما يتعلق بالاعتقالات، أكدت التقارير أن قوات الأمن نفذت اعتقالات جماعية تعسفية شملت مئات المتظاهرين، من بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 14 عامًا، خلال عمليات تفريق الاحتجاجات والمداهمات الليلية للمنازل. كما خضع عدد من المعتقلين لـ الاختفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، الأمر الذي يعرّضهم لخطر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.

عقوبة الإعدام .. أداة للترهيب السياسي شهد عام 2025 وبداية 2026 تصاعدًا غير مسبوق في تنفيذ أحكام الإعدام في إيران، حيث دخل استخدام هذه العقوبة مرحلة وُصفت بأنها الأخطر منذ عقود، وفق تقارير حقوقية. وأشارت هذه التقارير إلى أن الإعدام لم يعد يُستخدم بوصفه إجراءً قضائيًا استثنائيًا، بل تحوّل إلى أداة مركزية في إدارة الحكم والحفاظ على بقاء النظام.

ووفقًا لتقرير مرصد حقوق الإنسان في إيران، أعدمت السلطات الإيرانية ما لا يقل عن 2,167 شخصًا خلال عام 2025، وهو أعلى رقم يُسجل في تاريخ إيران المعاصر خلال العقود الأخيرة. ويعكس هذا الرقم زيادة حادة مقارنة بالسنوات السابقة، في ظل أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية متفاقمة.

أظهرت البيانات أن وتيرة الإعدامات تسارعت بشكل ملحوظ خلال النصف الثاني من عام 2025، حيث تجاوز عدد الإعدامات المنفذة في الأشهر الستة الأخيرة ضعف ما سُجل في النصف الأول. وفي ديسمبر 2025 وحده، نُفذ 376 حكم إعدام، بمعدل يقارب 12 إعدامًا يوميًا، في ارتفاع استثنائي يعكس تصعيدًا غير مسبوق في نهاية العام.

شملت الإعدامات خلال عام 2025 أكثر من 60 امرأة، في زيادة لافتة مقارنة بالعام السابق. كما وثّقت التقارير إعدام ما لا يقل عن ستة أطفال، في انتهاك صريح لالتزامات إيران الدولية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الطفل.

شهد عام 2025 تنفيذ ما لا يقل عن 13 إعدامًا علنيًا، وهو توجه ازداد مقارنة بالسنوات الماضية. وتهدف الإعدامات العلنية، بحسب المنظمات الحقوقية، إلى إحداث صدمة اجتماعية وبث الخوف الجماعي، وتُعد شكلًا من أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، واستعراضًا مباشرًا للقوة القسرية للدولة.

تراوحت أعمار الذين نُفذت بحقهم أحكام الإعدام خلال عام 2025 بين 18 و71 عامًا، ما يشير إلى أن العقوبة طالت شرائح واسعة من المجتمع الإيراني، بما في ذلك فئات نشطة اجتماعيًا واقتصاديًا.

نفذت السلطات عددًا كبيرًا من الإعدامات سرًا ودون إخطار مسبق للعائلات أو المحامين. وفي حالات عديدة، لم تُسلّم جثامين المُعدمين، أو حُجبت أماكن دفنهم، أو مُنعت العائلات من إقامة مراسم العزاء، في ممارسات اعتبرتها المنظمات الحقوقية انتهاكًا جسيمًا للكرامة الإنسانية

الحريات العامة وحقوق المرأة تواصل السلطات الإيرانية تشديد القيود المفروضة على النساء حيث استمرت في معاملتهن كمواطنات من الدرجة الثانية فيما يتعلق بأمور مختلفة، من بينها الزواج، والطلاق، وحضانة الأطفال، والعمل، والميراث، والمناصب السياسية، بالإضافة إلى تطبيق قوانين الحجاب الإلزامي، إلى جانب فرض عقوبات إدارية شملت حرمان الرافضات للحجاب من الخدمات العامة والتعليم.

وقالت منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية اعتمدت قانونًا قمعيًا يضيّق الخناق على حقوق النساء والفتيات، ويهدف إلى قمع المقاومة المستمرة للحجاب الإلزامي، من خلال فرض عقوبات مشددة تشمل الإعدام والجلد والسجن، فضلًا عن عقوبات أخرى وُصفت بالقاسية.

وفي تصعيد اعتبرته المنظمة خطيرًا، يتيح القانون الجديد فرض عقوبة الإعدام على أنشطة سلمية مرتبطة بالاحتجاج أو المعارضة لقوانين الحجاب الإلزامي التمييزية، وهو ما يشكّل سابقة غير مسبوقة في استهداف حرية التعبير والاحتجاج السلمي. ويتضمن القانون، المؤلف من 74 مادة، عقوبات متعددة بحق النساء والفتيات اللواتي يتحدّين قوانين الحجاب الإلزامي، من بينها الجلد، والغرامات المالية الباهظة، والسجن، وحظر السفر، وفرض قيود على التعليم والتوظيف.

وفي ما يتعلق بحرية التعبير، أفادت منظمة العفو الدولية بأن السلطات الإيرانية شددت من الرقابة على وسائل الإعلام، إلى جانب التشويش على محطات تلفزيونية فضائية، كما واصلت فرض قيود على الفضاء الرقمي عبر منع أو حجب أجزاء من محتوى تطبيقات الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي.

وأضافت المنظمة أن السلطات استمرت في حظر جميع الأحزاب السياسية المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات العمالية، كما أخضعت عددًا من العمال والعاملات، من بينهم ممرضون ومعلمون ونشطاء في مجال حقوق العمال، لإجراءات انتقامية بسبب مشاركتهم في الإضرابات وتنظيم تجمعات سلمية، في انتهاك واضح لحرية التعبير والتجمع السلمي والعمل النقابي.

كما تعرّض أفراد الأقليات العِرقية في إيران، ومن بينهم عرب الأهواز، والأتراك الأذربيجانيون، والبلوشيون، والأكراد، والتركمان، لانتهاكات واسعة النطاق لحقوقهم الإنسانية، شملت التمييز في الحصول على التعليم والعمل والسكن اللائق، فضلًا عن تقييد مشاركتهم في المناصب والتمثيل السياسي. وواصلت السلطات تقليص مستويات الاستثمار والخدمات في المناطق التي تقطنها هذه الأقليات، الأمر الذي أسهم في تعميق مظاهر الفقر والتهميش، وزاد من حدة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي داخل هذه المجتمعات.

وضع السجناء السياسيين قالت منظمة العفو الدولية إن السلطات الإيرانية دأبت على إخضاع المعتقلين لـ الاختفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، مشيرة إلى أن التعذيب وسوء المعاملة كانا منتشرَين ومنهجيَّين، مع بث التلفزيون الرسمي ما وصفته بـ «اعترافات» انتُزعت تحت التعذيب. كما أفادت بتعرّض محتجزين تعسفيين لأسباب سياسية للتعذيب داخل مرافق الطب النفسي، بما في ذلك الإعطاء القسري للأدوية، وحرمان السجناء من الرعاية الصحية الكافية.

وأضافت المنظمة أن عددًا من المحتجزين توفي أثناء الاحتجاز في ظروف غامضة وسط تقارير موثوقة عن ضرب وإهمال طبي، مشيرة إلى ظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية تشمل الاكتظاظ وسوء النظافة وانعدام التهوية. كما كشفت أبحاثها عن استخدام الاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي كوسيلة لتعذيب ومعاقبة المتظاهرين، بمن فيهم أطفال دون 12 عامًا، مؤكدة أن هذه الممارسات تعكس نمطًا ممنهجًا لبث الرعب وقمع المعارضة.

الموقف الدولي (بعثة تقصي الحقائق) اعتمد مجلس حقوق الإنسان قرارًا في 3 أبريل 2025 يقضي بتمديد ولاية المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في جمهورية إيران الإسلامية، مع استمرار تفويض البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران لمواصلة مهامها في الرصد والتحقيق الشامل والمستقل في الادعاءات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، سواء تلك التي وقعت مؤخرًا أو ما تزال مستمرة. ويشمل التفويض جمع الأدلة وتحليلها وتوثيقها وحفظها، بما يضمن إتاحتها للاستخدام في أي إجراءات قانونية مستقلة مستقبلية.

وخلصت البعثة، في تقريريها المقدمين إلى مجلس حقوق الإنسان في مارس 2024 ومارس 2025، إلى أن السلطات الإيرانية ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سياق احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية»، مشيرة إلى أن العديد منها يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، من بينها القتل، والسجن، والتعذيب، والاغتصاب، وأشكال أخرى من العنف الجنسي، والاضطهاد، والإخفاء القسري، وغيرها من الأفعال اللاإنسانية، التي نُفذت في إطار هجوم واسع النطاق وممنهج استهدف مدنيين، ولا سيما النساء والفتيات، إضافة إلى مدافعين عن حقوق الإنسان وأقليات عرقية ودينية.


هذا المحتوى مقدم من العلم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من العلم

منذ 12 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
مجلة List منذ 4 ساعات
موقع سفاري منذ ساعتين
موقع سفاري منذ 3 ساعات
موقع سفاري منذ 3 ساعات
موقع سفاري منذ 3 ساعات
موقع سفاري منذ 5 ساعات
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 7 ساعات
بيلبورد عربية منذ 6 ساعات