شهوة النفوذ: اختبار النضج في السياسة الإقليمية

في العلاقات الدولية لا يقاس وزن الدول فقط بحجم ما تمتلكه من أدوات سياسية أو دبلوماسية أو عسكرية أو اقتصادية، بل بكيفية توظيف هذه الأدوات، وبقدرتها على التمييز بين ما يحقق نفوذًا عابرًا وما يؤسس لاستقرار مستدام، فتاريخ المنطقة السياسي يوضح أن الإشكال لم يكن يومًا في الحضور الإقليمي ذاته، بل في تحوله في لحظات معينة، من دعم الدول إلى منافستها، ومن حماية الاستقرار إلى إدارة الفراغ، ومن منطق الشراكة إلى منطق السيطرة المقنعة.

لقد كشفت أزمات المنطقة خلال العقد الأخير عن نمطين متمايزين في التفكير السياسي، نمط يتعامل مع هشاشة الدول بوصفها فرصة لإعادة تشكيل النفوذ، ويرى في تعقيد الأزمات مجالًا مفتوحًا لتوسيع الحضور، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة الدولة الوطنية أو تماسك مؤسساتها، ونمط آخر ينطلق من قناعة راسخة بأن الدولة مهما بلغت درجة ضعفها، تظل الإطار الوحيد القادر على إنتاج شرعية قابلة للاستمرار، وأن سيادة دول الجوار أو الدول الإقليمية هو أول عوامل الاستقرار، وأهم عوامل التنمية، وأن تجاوز الشرعية والسيادة لا يؤدي إلا إلى فوضى مؤجلة، سرعان ما ترتد آثارها على الفاعلين قبل غيرهم.

النفوذ حين يبنى خارج منطق الدولة، يبدو في ظاهره مكسبًا سياسيًا أو أمنيًا، لكنه في حقيقته عبء طويل المدى، فالقوى المحلية التي تبنى على ولاءات ظرفية، أو تربط بتوازنات غير مستقرة، لا تملك مقومات الاستمرار، وغالبًا ما تتحول من أدوات تأثير إلى مصادر استنزاف، كما أن التحالفات التي تدار بعقل النفوذ، لا بعقل الدولة، سرعان ما تفقد قدرتها على الضبط، وتتحول إلى شبكات مصالح متقاطعة يصعب التحكم في مساراتها أو توقع مآلاتها.

وقد أثبتت التجارب أن الاستثمار في الفراغ السياسي لا ينتج حلولًا، بل يعيد إنتاج الأزمة بأشكال أكثر تعقيدًا، فحين تضعف الدولة لصالح كيانات موازية، أو تجزأ السلطة إلى عناوين ظرفية، فإن لا تكون استقرارًا، بل انتقالًا من أزمة مركزية إلى أزمات متعددة، أكثر تشظيًا وأقل قابلية للمعالجة، ولهذا فإن تكلفة تجاوز الدولة، مهما بدت أقل في لحظتها الآنية، فإنها تتضاعف مع الزمن، وتتحول إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي. وفي هذا السياق، يتضح الفرق الجوهري بين إدارة الأزمات بعقل النفوذ وإدارتها بعقل الدولة، الأولى: تركز على الجغرافيا، ونقاط السيطرة، والأدوات الأمنية السريعة، وتتعامل مع الزمن بوصفه عنصر ضغط لتحقيق مكاسب آنية، أما الثانية: فتركز على بناء المؤسسات، وترسيخ الشرعية، وتوحيد القرار الوطني، حتى وإن بدا هذا الطريق أطول وأكثر تعقيدًا، غير أن التجربة تؤكد أن كلفة بناء الدولة مهما ارتفعت، تظل أقل بكثير من كلفة انهيارها أو تفكيكها.

المنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق حقيقي، فالمشاريع العابرة للحدود لم تتراجع، والدول الهشة لا تزال عرضة للاختراق، والتحالفات الإقليمية تختبر بانسجام أهدافها لا بزخم خطاباتها، وفي مثل هذا السياق يصبح أي انحراف عن منطق الدولة خطرًا مضاعفًا، لأنه لا يهدد ساحة بعينها، بل يهدد الاستقرار الإقليمي برمته، ويضربه في مقتل، ويقوض الثقة المتبادلة بين الحلفاء والشركاء.

إن التحدي الأكبر لا يكمن في تعدد الفاعلين، بل في غياب مرجعية سياسية واضحة تحكم سلوكهم، فحين تتعدد الأجندات.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 6 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
صحيفة سبق منذ 20 ساعة
صحيفة سبق منذ 3 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 16 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 19 ساعة
صحيفة سبق منذ 10 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 20 ساعة
صحيفة سبق منذ 19 ساعة
اليوم - السعودية منذ 17 ساعة