لم يكن التعليم الجامعي والمدرسي يوما بمنأى عن التحولات الكبرى التي تعصف بالمجتمع، لكنه في السنوات الأخيرة وجد نفسه في قلب ثلاث موجات متلاحقة: فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية، وجائحة كورونا في مطلع العقد الثالث، ثم موجة الذكاء الاصطناعي اليوم. في كل مرة، يُقدَّم الحل التقني بوصفه المنقذ، وتُضخ الوعود والتمويلات والتوقعات إلى حد التضخم، ثم تأتي لحظة التصحيح لتكشف أن المشكلة لم تكن تقنية خالصة، بل إنسانية ومؤسسية وثقافية في المقام الأول.
عندما انفجرت فقاعة البرمجيات وشركات الإنترنت عام 2000، لم تختفِ الشبكة، بل تراجعت الأوهام وبقيت البنية. وعندما اجتاح وباء كورونا العالم، بدا للحظة أن التعليم الجامعي سيتحول كليًا إلى تعليم رقمي، وأن القاعات ستُستبدل نهائيًا بالشاشات. أغلقت الجامعات أبوابها، وانتقلت المحاضرات إلى المنصات الإلكترونية، ونجحت الأدوات الرقمية بالفعل في سد فجوة طارئة، ومنعت انقطاعًا معرفيًا كان يمكن أن يكون كارثيًا لجيل كامل من الطلبة. لكن ما بدا في حينه كتحول تاريخي دائم، تبيّن لاحقًا أنه استجابة مؤقتة لظرف استثنائي، وأن كثيرًا مما نُسب إلى "ثورة تعليمية" كان في الواقع تضخيمًا إعلاميًا ونفسيًا للحظة خوف عالمي حبست فيها البشرية أنفاسها.
بهذا المعنى، لم يكن وباء كورونا فقاعة صحية، لكنه كان فقاعة إدراكية: لحظة ضخّم فيها الإعلام والسياسة والاقتصاد أثر التقنية إلى حد بدا فيه أن كل شيء قابل للنقل إلى الشاشة بلا خسائر. ومع انحسار الجائحة، ظهرت الفجوات: ضعف التفاعل، تآكل الدافعية، تفاوت الفرص بين الطلبة، إنهاك الأساتذة، وتراجع العمق المعرفي في كثير من السياقات. الأدوات الرقمية نجحت في منع الانهيار، لكنها لم تنجح في بناء نظام تعليمي أفضل بذاته.
اليوم، يتكرر النمط نفسه مع الذكاء الاصطناعي، ولكن في صيغة أكثر جذرية. لم يعد الأمر مجرد منصات لبث المحاضرات أو إدارة الصفوف، بل أنظمة يُقال إنها تستطيع التعليم، والتقويم، والشرح، والتصحيح، بل وحتى الإبداع الأكاديمي نيابة عن الإنسان. ويُطرح هذا التحول في الجامعات كما طُرح سابقًا التعليم الإلكتروني في زمن كورونا: بوصفه ضرورة تاريخية لا بديل عنها، وبوصفه قفزة نوعية ستنقذ التعليم من أزماته البنيوية.
غير أن هذا الخطاب يخفي التباسًا خطيرًا بين الأداة والغاية. فالجامعة ليست مصنع شهادات، ولا خط إنتاج معلومات، بل فضاء لتكوين العقل النقدي، وبناء القدرة على السؤال، والتفكير، والربط، والاختلاف. هذه وظائف لا تختزل في نقل المحتوى، ولا في سرعة الوصول إليه، بل في نوع العلاقة التي تُبنى بين الطالب والمعرفة، وبين الطالب وأستاذه، وبين الطالب وذاته الفكرية.
الذكاء الاصطناعي، مثل أدوات التعليم في زمن كورونا، قادر على سد فجوات: شرح إضافي،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
