في الشؤون الدولية، لم تعُد القوة تقاس فقط بعدد الجنود ونوع التسليح وعدد العمليات العسكرية أو صخب التصريحات أو كثافة الحضور الإعلامي، بل أصبحت تقاس بقدرة الدولة على التأثير دون إعلان، وعلى إدارة الأزمات دون تحويلها إلى ساحات استنزاف مفتوحة. من هنا برز مفهوم «الردع الصامت» كأحد أكثر أنماط السلوك الاستراتيجي نضجاً في النظام الدولي المعاصر، حيث تُمارس القوة بهدوء، وتُرسل الرسائل دون خطابات، وتُصاغ السياسات بعيداً عن منطق الاستعراض والتجييش والتفوق الوهمي، الذي لا يعكس توازن القوى في الساحة الإقليمية والدولية، وكما هو معروف لا تفوق عسكرياً ودبلوماسياً مستداماً دون تفوق اقتصادي وتقني ونموذج ناجح.
الردع الصامت يقوم على مبدأ بسيط في ظاهره، عميق في جوهره، ألا وهو: ليس كل ما يُعرف يجب أن يُقال، وليس كل ما يُقال يخدم المصلحة، فالدولة التي تكثر من التصريحات وتعلن خطوطها الحمراء بشكل مباشر، تمنح خصومها فرصةً ثمينة لإعادة الحسابات، والتكيّف، وربما الالتفاف. أما حين يترك جزء كبير من النوايا غير معلن، والحصول على مباركة القوى الكبرى وإجماع من كبار اللاعبين والمؤثرين في الساحة الدولية، حينها يصبح الغموض محدوداً وعدم اليقين والتورط في ثغرات في المناطق الرمادية أمراً مستبعداً.
تجارب القوى الكبرى والمتوسطة على السواء تؤكد أن الردع لم يعُد حكراً على السلاح التقليدي بعيداً عن حسابات ما يحرك الجماهير وقضاياها المحورية. هناك من بنى استراتيجيته على الغموض الاستراتيجي طويل الأمد، وهناك من استخدم الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد كوسائل ضغط غير معلنة، وهناك من اعتمد العمل الاستخباري والعمليات المحدودة والعمق المعنوي بدل المواجهات الشاملة، القاسم المشترك بين هذه النماذج هو تجنب تحويل الصراع إلى معركة خطاب، لأن الخطاب غالباً ما يقيد القرار السياسي ويحوّله إلى التزام علني يصعب التراجع عنه.
في السياق الإقليمي والدولي على حد سواء يمكن ملاحظة نماذج لفاعلين مؤثرين تعاملوا مع أزمات معقدة في محيطهم القريب بأسلوب ينسجم تماماً مع هذا المفهوم، ففي الوقت الذي اندفعت فيه أطراف عدة نحو نزاعات مفتوحة متعددة المستويات، عسكرية وإعلامية ودبلوماسية، اختار أولئك الفاعلون نهجاً مختلفاً من مشاركة محدودة، وأهداف واضحة، وأدوات محسوبة، دون الانجرار إلى سجالات علنية أو حملات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
