مقالات الشروق| مدحت نافع يكتب: شح الموارد المضاعف - لا يزال الناس فى مصر مختلفين حول طبيعة أزمتنا الاقتصادية، وهل هى أزمة نمو أم توزيع أم مزيج بينهما، وبأى ميزان يختلط هذا المزيج فتغلب أزمة على أخرى؟! وهل نحن بلد ينعم بفوائض فى الموارد الأساسية، لكنّ سوء التوزيع والإدارة يلتهمان ما يمكن إنتاجه؟! أم أننا نبدأ اشتباكنا مع المشكلة الاقتصادية من مستوى شديد الشح فى الموارد الأساسية، بما يضاعف من تركيب وصعوبة تلك المشكلة؟! على أن وصف الشح (النسبى بطبيعته) بالشديد يجب أن يستند إلى مقياس ومرجع، وهنا يمكن أن نلوذ بالمتوسط العالمى لنصيب الفرد من الموارد. وإذا أردنا لمصر أن تكون من مجموعة الدول الناشئة وذات الدخل المتوسط الأعلى، فليس أقل من أن نقارن نصيب الفرد فيها من الموارد بنظيره فى تلك المجموعات.. المقال كاملاً

لا يزال الناس فى مصر مختلفين حول طبيعة أزمتنا الاقتصادية، وهل هى أزمة نمو أم توزيع أم مزيج بينهما، وبأى ميزان يختلط هذا المزيج فتغلب أزمة على أخرى؟! وهل نحن بلد ينعم بفوائض فى الموارد الأساسية، لكنّ سوء التوزيع والإدارة يلتهمان ما يمكن إنتاجه؟! أم أننا نبدأ اشتباكنا مع المشكلة الاقتصادية من مستوى شديد الشح فى الموارد الأساسية، بما يضاعف من تركيب وصعوبة تلك المشكلة؟! على أن وصف الشح (النسبى بطبيعته) بالشديد يجب أن يستند إلى مقياس ومرجع، وهنا يمكن أن نلوذ بالمتوسط العالمى لنصيب الفرد من الموارد. وإذا أردنا لمصر أن تكون من مجموعة الدول الناشئة وذات الدخل المتوسط الأعلى، فليس أقل من أن نقارن نصيب الفرد فيها من الموارد بنظيره فى تلك المجموعات.

فى جوهرها الأول، لم تكن المشكلة الاقتصادية سوى تعبير مباشر عن حقيقة بسيطة وملازمة للوجود الإنسانى: ندرة الموارد فى مقابل تعدد الحاجات. غير أن هذه الصياغة الكلاسيكية، على ما فيها من دقة نظرية، باتت قاصرة عن توصيف الواقع المعاصر، الذى لم يعد يواجه فقط تعدد الحاجات (needs)، بل تضخم المطلوبات (wants)، وتداخلها، وارتفاع تكلفتها المادية والبيئية، وتزايد حساسيتها للزمن والجودة والاستدامة فى آن واحد. فالحاجة اليوم لم تعد مجرد طعام أو مسكن أو طاقة، بل أصبحت حزمة مركبة من الأمن الغذائى، والاستقرار السعرى، والمرونة البيئية، والقدرة التكنولوجية، والعدالة الاجتماعية، والرفاهية المعلوماتية، وهو ما يجعل الندرة أكثر تعقيدًا، وأشد وطأة، وأصعب إدارة.

وإذا كانت الندرة هى محور المشكلة الاقتصادية، فإن هذه الندرة لا تُفهم بوصفها حالة مطلقة أو متجانسة، بل باعتبارها ظاهرة نسبية مركبة، تتحدد شدتها وطبيعتها وآثارها من خلال أكثر من زاوية فى آنٍ واحد. فهى تُقاس، من جهة، بحجم الطلبات القائمة والمتوقعة، لا بمجرد وجود المورد فى ذاته، وتُقاس، من جهة أخرى، بنصيب الفرد من المورد فى صورته الأصلية الخام، قبل أى تدخل بشرى بالإدارة أو التنظيم أو المعالجة أو إعادة التدوير، بما يعكس الضغط الحقيقى عليه. وتزداد نسبية الندرة تعقيدًا حين تُقارن عبر الأزمنة والأقاليم، إذ إن ما يبدو وفيرًا فى سياق تاريخى أو جغرافى معين قد يتحول إلى مورد نادر فى سياق آخر بفعل تغير أنماط الاستهلاك، والتقدم التكنولوجى، والتحولات البيئية والمؤسسية.

وعلى هذا الأساس، تختلف الندرة اختلافًا جوهريًا من دولة إلى أخرى، بل ومن إقليم إلى آخر داخل الدولة الواحدة؛ فثمة دول تعانى شحًا محدودًا فى بعض الموارد، لكنها تعوّضه بوفرة نسبية فى موارد أخرى، أو بقدرات مؤسسية وتكنولوجية تمكّنها من تعظيم الكفاءة، وضبط الاستخدام، وإعادة التدوير، وإدارة المخلفات بكلفة أقل. وفى المقابل، تواجه دول أخرى ندرة مركبة ومضاعفة، تتراكم فيها أوجه الشح، وتتقاطع فيها القيود السكانية والمواردية والمؤسسية، فتغدو المشكلة الاقتصادية فيها أبعد من مجرد معادلة اختيار رشيد، وأقرب إلى معركة بقاء وتنمية فى آن واحد.



تشتد الندرة على نحو خاص فى الدول التى تعانى فقرًا مدقعًا أو شديدًا، وشحًا واضحًا فى الموارد الأساسية التى تقوم عليها أى عملية إنتاج وتنمية: المياه، والمعادن الأساسية، والطاقة، ورأس المال البشرى المنتج، فضلًا عن قابلية الموارد الأرضية للاستغلال الاقتصادى. هذه الموارد لا تتوزع عالميًا بعدالة أو توازن، بل تخضع لمنطق جغرافى وتاريخى وسياسى معقد، جعل بعض الدول تنطلق من مواقع وفرة نسبية، فيما تبدأ دول أخرى من خطوط حرمان هيكلى يصعب كسره دون أدوات استثنائية.

وليس خافيًا أن تفاوت توزيع هذه الموارد يفرض تفاوتًا مماثلًا فى طبيعة الأدوات الاقتصادية المطلوبة للتعامل مع المشكلة. فما يصلح لدولة وفيرة المياه والطاقة، ذات كثافة سكانية منخفضة وقدرات تكنولوجية عالية، لا يصلح بالضرورة لدولة تعانى شح المياه، وضغطًا سكانيًا متزايدًا، واعتمادًا كبيرًا على الواردات الغذائية والطاقة المستوردة. ومن ثم، فإن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة الشروق

منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 55 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
قناة العربية - مصر منذ ساعتين
صحيفة اليوم السابع منذ 6 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 5 ساعات
بوابة الأهرام منذ 5 ساعات
موقع صدى البلد منذ 17 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ ساعتين
صحيفة المصري اليوم منذ 17 ساعة