يمثّل دور السعودية السياسي عربيا في المرحلة الراهنة انعطافًا جيوسياسيًا غير مسبوق في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، حيث انتقلت الرياض من نمط "الدبلوماسية التقليدية" القائمة على تقديم المنح المالية وتثبيت التوازنات الهادئة، إلى نموذج "الواقعية السياسية" الجريئة التي تضع المصلحة الوطنية والتنمية المستدامة في قلب تحركاتها.
ووفقًا لتقرير صادر عن "مركز الخليج للأبحاث" عام 2025، فإن المملكة لم تعد تكتفي بإدارة الأزمات، بل أصبحت "صانعة للفرص"، مستفيدة من ثقلها الاقتصادي الذي تجاوز تريليون دولار كناتج محلي إجمالي، لتحويل المنطقة إلى كتلة اقتصادية متماسكة تشبه في طموحها الاتحاد الأوروبي.
وتؤكد الدراسات الصادرة عن "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" أن هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأسلوب، بل هو إعادة هيكلة جذرية للعقيدة السياسية السعودية، فقد انتقلت الرياض لاستراتيجية "تصفير المشكلات" وبناء شراكات قائمة على "الربح للجميع".
ويرى هذا النهج الجديد أن نجاح "رؤية 2030" داخليًا يرتبط ارتباطًا عضويًا باستقرار الجوار الإقليمي؛ فالاقتصاد المزدهر لا يمكن أن ينمو في محيط مشتعل، ومن هنا برزت الحاجة لتعريف جديد كليًا لمنظومة دور السعودية السياسي عربيا.
تصفير الأزمات كركيزة لتعزيز دور السعودية السياسي عربيا تجلت ملامح هذا التغيير في تبني الرياض لاستراتيجية "الجوار المستقر"، والتي كانت اتفاقية بكين مع إيران في مارس 2023 أبرز محطاتها التاريخية.
وبحسب تحليل لـ "معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، فإن السعودية أدركت أن كلفة النزاعات الصفرية أصبحت عائقًا أمام طموحاتها التنموية الكبرى، لذا، انتقلت من مربع المواجهة المباشرة إلى مربع "خفص التصعيد" والوساطة الاستباقية.
ولم يتوقف الأمر عند طهران، بل شمل إعادة سوريا إلى الحضنة العربية، وقيادة جهود التهدئة في اليمن، والوساطة المستمرة في السودان، مما كرس دور السعودية السياسي عربيا كمرجعية أولى لحل النزاعات الإقليمية.
ويشير الكاتب علي الخشيبان في مقال بصحيفة الرياض عام 2024، أن السياسة السعودية أصبحت تعتمد على "حقائق ثابتة" أهمها تعزيز فكرة الاستقرار دون التأثير على الواقع السياسي الدولي، وهو استقرار لا يُطلب لذاته فقط، بل لتهيئة البيئة لمشاريع عملاقة مثل "نيوم" و"ذا لاين" التي تتطلب تدفقات استثمارية عالمية لا تتحرك إلا في ظل أمن إقليمي مضمون.
هذا الربط بين "الأمن والتنمية"، هو ما جعل دور السعودية السياسي عربيا يتجاوز الطابع السياسي الصرف إلى طابع "جيواقتصادي" شامل.
أهمية الاستقلال الاستراتيجي وموازنة القوى في دور السعودية السياسي عربيا تتحرك الدبلوماسية السعودية اليوم بعيدًا عن النظرة للعالم باعتباره رهينة سياسة "القطب واحد"، حيث نجحت في فرض مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي".
ووفقًا لتقرير للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، فإن الرياض تدير حاليًا "لعبة توازن معقدة" بين واشنطن وبكين وموسكو، فهي تحافظ على شراكتها الأمنية التاريخية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته، تعمق علاقاتها الاستراتيجية مع الصين كشريك تجاري أول، وتنسق مع روسيا عبر "أوبك بلس" لضمان استقرار أسواق الطاقة.
منح هذا التوازن دور السعودية السياسي عربيا هيبة دولية، فالرياض لا تتلقى الإملاءات من أحد، بل تفرض شروطها بناءً على مصالحها الوطنية العليا.
ظهر هذا الحزم الدبلوماسي بوضوح في التعامل مع القوى الغربية؛ فالمملكة أصبحت اليوم تواجه الانتقادات بقرارات سيادية حاسمة.
ويذكر سفير جيبوتي لدى المملكة، ضياء بامخرمة، في حديثه لـ "اندبندنت عربية" أن العواصم الكبرى أدركت لاحقًا أن السعودية في عهدها الجديد لا تقبل التدخل في شؤونها الداخلية، وأنها ترفع شعار "السعودية أولًا" كبوصلة وحيدة لسياساتها الخارجية.
القوة الناعمة تخدم السياسة السعودية الجديدة امتد دور السعودية السياسي عربيا وحتى عالميًا لتوظيف "القوة الناعمة" كأداة تأثير فعالة، فبحسب دراسة لـ "جامعة هارفارد" حول التحولات في الشرق الأوسط لعام 2025، فإن استثمار البلاد في قطاعات الرياضة والسياحة والترفيه غيّر الصورة النمطية للمملكة في الوجدان العربي والعالمي.
وتتجاوز الرياض اليوم كونها مجرد عاصمة سياسية، بل هي وجهة عالمية للثقافة والابتكار، مما منحها "ثقلًا معنويًا" مكنها من قيادة الشباب العربي نحو نموذج جديد من الحداثة التي لا تنفصل عن الجذور.
وفي مضمار الوساطة الدولية، نجحت السعودية في كسر العزلة الدبلوماسية لبعض الملفات الشائكة.
يشير تقرير لـ "رويترز" أن استضافة الرياض لقمم عالمية، مثل القمة العربية الصينية، والقمة العربية الإسلامية بشأن غزة أثبت أن المملكة هي "المحرك الفعلي" للقرار العربي الجماعي.
وتؤكد قدرة الرياض على جمع المتناقضات على طاولة واحدة أن دور السعودية السياسي عربيا أصبح يتمتع بمصداقية عالية ناتجة عن "الشفافية والواقعية" في الطرح، بعيدًا عن الشعارات الرنانة التي سادت السياسة العربية في العقود الماضية.
المؤسسية والحوكمة محركات التغيير من الداخل تتمثل أحد أهم التغييرات التي طرأت على السياسة السعودية في "العمل المؤسسي" السريع، فقد تم استبدال الهياكل القديمة بـ "مجلس الشؤون السياسية والأمنية" الذي يرأسه ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، مما أدى إلى تسريع اتخاذ القرار وضمان انسجامه مع أهداف التنمية.
ووفقًا لـ "المنصة الوطنية الموحدة" السعودية، فإن هذا المجلس يعمل على رسم سياسات طويلة الأجل تضمن أمن المملكة ومصالحها، مع التركيز على "الاستباقية" في مواجهة التهديدات، وهو ما عزز من ثبات وقوة دور السعودية السياسي عربيا.
هذه الحوكمة لم تقتصر على الداخل، بل انعكست على ملف المساعدات الخارجية، فالمملكة التي تُعد اليوم "المرتبة الأولى عالميًا" في تقديم المساعدات الإغاثية عبر "مركز الملك سلمان للإغاثة"، انتقلت من فلسفة "الدعم المفتوح" إلى فلسفة "الاستثمار التنموي".
ويشير وزير المالية السعودي في تصريحاته بمنتدى "دافوس" أن المساعدات المستقبلية ستكون مرتبطة ببرامج إصلاحية حقيقية، لضمان أن تتحول هذه الأموال إلى محركات نمو مستدام في الدول الشريكة، مما يضمن استقرارًا فعليًا يعزز من دور السعودية السياسي عربيا.
تحديات تتجاوزها السعودية بكفاءة يواجه دور السعودية السياسي عربيا تحديات جسيمة، أبرزها التنافس الأمريكي الصيني المحتدم، وبحسب تقرير لـ "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، فإن المملكة تحوّل سياستها في قلب "حرب تقنية وجيوسياسية" بين الصين وأمريكا.
ومع ذلك، أثبتت الرياض قدرتها على حماية مصالحها من خلال تنويع مصادر السلاح والتقنية، مؤكدة أنها لن تضحي بعلاقاتها مع طرف لصالح الآخر، طالما أن ذلك يخدم "رؤية 2030".
كما نجحت السعودية في تفاعلها مع القضية الفلسطينية، وأظهرت سياسة ثابتة؛ حيث تصر المملكة على أن أي استقرار إقليمي لن يتحقق دون حل عادل وشامل يقوم على "حل الدولتين".
ويؤكد هذا الموقف الصارم، الذي كرره المسؤولون السعوديون في كافة المحافل، أن دور السعودية السياسي عربيا لا يزال يستمد مشروعيته من الالتزام بالقضايا العربية الجوهرية، ولكن بمنطق "النتائج لا الشعارات".
وتعيد السعودية اليوم تعريف الشرق الأوسط كمنطقة ازدهار مشتركة، وتضع نفسها كقائد لهذا التحول التاريخي الذي يطمح لجعل المنطقة مركزًا ثقليًا في الاقتصاد العالمي الجديد.
والخلاصة أن المزج بين القوة الاقتصادية، والواقعية السياسية، والاستقلال الاستراتيجي، هو ما جعل دور السعودية السياسي عربيا أكثر تأثيرًا وعمقًا من أي وقت مضى، ومع اقتراب عام 2030، تبدو الرياض أكثر ثقة في نموذجها، كقوة توازن واستقرار في عالم يمر بتحولات كبرى، مؤكدة أن "الشرق الأوسط الجديد" لم يعد حلمًا، بل هو واقع يصاغ بقرار سعودي وطموح عربي لا يحده سقف.
هذا المحتوى مقدم من العلم
