بالاستناد إلى 4 ركائز، تفرض السعودية نفسها كقطب عالمي صاعد يوازن بذكاء بين الشرق والغرب لحماية المصالح العربية.

يشكل الدور السعودي اليوم نموذجًا فريدًا في التحديث السياسي المعاصر، حيث استطاعت المملكة خلال العقد الأخير إعادة صياغة هويتها الجيوسياسية لتتحول من قوة إقليمية محافظة تعتمد على النفط، إلى قطب دولي فاعل يقود حراك التنمية.

وفقًا لدراسة نشرتها مجلة "GeoPolitica" الأوروبية (2025)، فإن هذا التحول ليس مجرد استجابة لظروف طارئة، بل هو مسار استراتيجي بدأ منذ انفتاح البلاد على المجتمع الدولي في عهد الملك عبدالعزيز في أربعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى "رؤية 2030" التي رسمت ملامح المستقبل بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

ويرى الباحث إياد الرفاعي، أن الدور السعودي تجاوز مرحلة إدارة الأزمات التقليدية ليتبنى استراتيجية "القوة المستقلة المؤثرة"، فالمملكة التي كانت تُعرف برواية الآخرين عنها، باتت اليوم هي من يكتب روايتها الخاصة، مستندة إلى إرث تاريخي عريق وعناصر قوة جوهرية روحية، وجغرافية، واقتصادية، واستقرار داخلي جعلت منها حجر الزاوية في استقرار الشرق الأوسط الذي يطمح ولي العهد لتحويله إلى "أوروبا الجديدة".

عناصر القوة الجوهرية ومحركات الدور السعودي تستند استدامة الدور السعودي إلى ركائز جيوسياسية لا يمكن منافستها؛ فأولاً تأتي "السلطة الروحية" لكون المملكة مهد الإسلام ومحتضنة الحرمين الشريفين، مما يمنحها نفوذًا أدبيًا على ملياري مسلم حول العالم.

وثانيًا، "الموقع الجغرافي" كأكبر دولة في الشرق الأوسط مساحة، بإطلالة تمتد على 2400 كم على البحر الأحمر الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية.

وثالثًا، "الموارد الاقتصادية" الضخمة، حيث تمتلك المملكة 21.5% من احتياطيات أوبك المؤكدة، وتصنيفها كأسرع اقتصادات مجموعة العشرين نموًا بنسبة 8.7% في 2022.

منحت هذه المقومات الدور السعودي تفوقًا عالميًا تاريخيًا؛ ففي عام 1974، لعبت المملكة دورًا حاسمًا في دعم الدولار الأمريكي عبر ربط مبيعات البترول به ("البترودولار")، مما حافظ على استقرار النظام المالي الدولي.

واليوم، يتطور هذا الدور عبر "الدبلوماسية الاقتصادية" التي يقودها صندوق الاستثمارات العامة، والذي يستثمر في قطاعات المستقبل كالذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، ليعيد تعريف المملكة كشريك تقني عالمي وليس مجرد مصدر للطاقة التقليدية.

إعادة التموضع الإقليمي شهد الدور السعودي الإقليمي تحولًا جذريًا نحو "تصفير النزاعات" ورفض الصراعات الصفرية التي تستنزف الموارد.

وبحسب دراسة محمد الناصري في "GeoPolitica"، فإن اتفاق بكين (مارس 2023) لاستئناف العلاقات مع إيران شكّل نقطة انطلاق لواقع جيوسياسي جديد يقوم على إدارة الصراعات بالدبلوماسية المرنة.

ولم يتوقف هذا النهج عند إيران، بل امتد لإنهاء أزمة قطر (2021)، وتعزيز الشراكة مع تركيا، وقيادة جهود عودة سوريا للجامعة العربية (2023)، مما يعكس رغبة سعودية في بناء "منظومة استقرار عربي" متكاملة.

وتؤكد القيادة السعودية، عبر تصريحات ولي العهد: "لا يمكن للسعودية النهوض دون جيرانها"، أن التنمية المشتركة هي الضمانة الوحيدة للأمن.

لذا، أطلقت المملكة مشاريع الربط الكهربائي مع مصر والعراق، وأسست شركات استثمارية في الأردن والبحرين والسودان وعُمان باستثمارات أولية بقيمة 90 مليار ريال (24 مليار دولار).

ويهدف هذا "السلام الاقتصادي" إلى خلق مصالح متبادلة تُصعّب من احتمالات العودة للتصعيد العسكري، ويجعل من الدور السعودي دورًا تنظيميًا للمشهد العربي وليس صداميًا.

السياسة العالمية للسعودية في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي التقليدي بالمنطقة، تبنى الدور السعودي سياسة "تنويع الشراكات الاستراتيجية" وفق مبدأ تبادل المصالح.

وتوازن الرياض اليوم بين علاقتها التاريخية مع واشنطن، وشراكتها الاستراتيجية الشاملة مع الصين (الشريك التجاري الأول)، وتنسيقها مع روسيا ضمن "أوبك بلس".

يسمح هذا الاستقلال الاستراتيجي للمملكة بلعب دور "الوسيط الموثوق" في أزمات دولية بعيدة، مثل الأزمة الأوكرانية، حيث استضافت الرياض قمم جدة والدرعية لتقريب وجهات النظر بين القوى الكبرى.

وعلى الصعيد الداخلي، دعمت الإصلاحات الاجتماعية والتمكين الحقوقي للمرأة منذ عام 2019 هذا الدور السعودي العالمي؛ إذ ساهمت في تفكيك الصور النمطية القديمة وتقديم المملكة كدولة حديثة ومنفتحة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن القوة الناعمة، المتمثلة في استضافة فعاليات كـ "فورمولا 1" ومهرجان البحر الأحمر السينمائي، عززت من جاذبية المملكة كمركز سياحي وثقافي عالمي، مما انعكس إيجابًا على موقعها داخل مجموعة العشرين وقدرتها على صياغة سياسات المناخ العالمية عبر مبادرة "الشرق الأوسط الأخضر".

قطب صاعد كل هذه العوامل التي تحدثنا عنها، تؤكد أن خطاب الرياض الذي بدأ يميل نحو "القوة المستقلة" يجعلها بعيدة كل البعد عن صورة البلدان التي تكتفي بالتبعية.

وبحلول عام 2025، أصبحت السعودية وجهة الحلول للنزاعات الممتدة في السودان واليمن، مع الحفاظ على موقف صلب تجاه القضية الفلسطينية وشرط قيام الدولة المستقلة، وهو ما يعزز شرعيتها كقائدة للعالمين العربي والإسلامي.

وعلى ذلك، فإن المرحلة المقبلة من الدور السعودي مرشحة لتعزيز نموذج "القيادة التنظيمية"؛ حيث لا تسعى المملكة لفرض نفوذ هيمني، بل لبناء تكتلات اقتصادية وسياسية قوية تحمي المنطقة من تقلبات النظام الدولي.

ومع عضوية المملكة في "بريكس" وتأثيرها في "G20"، يسير الدور السعودي بخطى ثابتة نحو التحول إلى قطب عالمي صاعد، يثبت أن رؤية 2030 لم تكن مجرد خطة اقتصادية، بل مشروعًا لإعادة هندسة موقع العرب في التاريخ الحديث، وجعل "الشرق الأوسط" قصة النجاح القادمة في القرن الحادي والعشرين.


هذا المحتوى مقدم من العلم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من العلم

منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 10 دقائق
منذ 10 ساعات
منذ 55 دقيقة
بيلبورد عربية منذ 6 ساعات
سي ان ان بالعربية - منوعات منذ 4 ساعات
العلم منذ 23 ساعة
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 9 ساعات
موقع سائح منذ 13 دقيقة
موقع سائح منذ 12 ساعة
موقع سائح منذ 8 ساعات
موقع سائح منذ 4 ساعات