تُمثل المساعدات السعودية للدول العربية ركيزة أساسية في فلسفة القوة الناعمة والواقعية السياسية للمملكة، حيث انتقلت الرياض من نمط الدعم المالي المباشر إلى مربع "الاستثمار التنموي المستدام".
ووفقًا لآخر الإحصائيات الصادرة عن "منصة المساعدات السعودية"، في يناير 2026، بلغ إجمالي المساعدات السعودية المقدمة للعالم نحو 537 ريال سعودي، نُفذت من خلال 8,585 مشروعًا شملت 173 دولة.
وتكشف الأرقام أن الدول العربية حظيت بنصيب الأسد من هذا الدعم، حيث استأثرت قارة آسيا بنحو 238,863,494,752 ريال سعودي، بينما نالت أفريقيا 182,047,164,188 ريال سعودي.
وتشير التقارير الصادرة عن "مركز الخليج للأبحاث" أن هذا الثقل المالي ليس مجرد منح إغاثية، بل هو "قوة اقتصادية" حقيقية تدعم النفوذ السياسي؛ فالمملكة اليوم بصفتها أكبر اقتصاد عربي وعضو مؤثر في مجموعة العشرين (G20)، نجحت في تحويل الفائض المالي إلى مشاريع استراتيجية في البنية التحتية، والطاقة، وإعادة الإعمار، مما جعل الرياض مركز الثقل الذي تُنسق منه الأجندة العربية في عالم متعدد الأقطاب.
المساعدات السعودية للدول العربية حسب الفئات والجهات يعكس توزيع المساعدات السعودية للدول العربية تحولًا عميقًا نحو "القيادة عبر التنمية"، حيث بلغت قيمة المساعدات التنموية وحدها 400,276,162,242 ريال سعودي، وهو ما يمثل حوالي 87% من إجمالي الإنفاق الإغاثي والتنموي للمملكة.
ووفقًا لبيانات "وزارة المالية السعودية"، فإنها تتصدر الجهات المانحة بإجمالي 145,039,032,134 ريال سعودي، تليها "وزارة الطاقة" بـ 134,801,686,549 ريال سعودي، ثم "الصندوق السعودي للتنمية" بـ 116,513,216,377 ريال سعودي.
وتشير منصة المساعدات السعودية أن هذا التنوع في الجهات المانحة يعكس شمولية الدعم السعودي؛ فبينما يركز الصندوق السعودي للتنمية على البنية التحتية، يقوم "مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية" (بإجمالي 31,049,208,227 ريال سعودي) بإدارة العمليات الإغاثية العاجلة والطبية.
ويضمن هذا "العمل المؤسسي" الذي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من خلال مجلس الشؤون السياسية والأمنية ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، انسجام السياسة الخارجية مع الأهداف التنموية المستدامة للشركاء العرب.
خارطة الدول المستفيدة من المساعدات السعودية للدول العربية عند النظر إلى قائمة الدول المستفيدة من المساعدات السعودية للدول العربية، تبرز جمهورية مصر العربية كأكبر متلقٍ للدعم السعودي بإجمالي تاريخي بلغ 121,859,067,385 ريال سعودي نُفذت عبر 70 مشروعًا استراتيجيًا.
ويليها اليمن بإجمالي 63,189,853,837 ريال سعودي شملت 1,560 مشروعًا، مما يؤكد التزام الرياض بـ "سياسة الجوار المستقر" وإعادة الإعمار كجزء من رؤيتها لشرق أوسط آمن ومزدهر.
وتشمل قائمة الدول العربية الأخرى المستفيدة مبالغ ضخمة تعكس عمق الروابط الجيوسياسية:
العراق: 27,508,242,616 ريال سعودي.
فلسطين: 20,856,250,217 ريال سعودي، مما يكرس القضية الفلسطينية كحجر زاوية في السياسة السعودية.
البحرين: 15,648,492,100 ريال سعودي.
السودان: 12,004,843,476 ريال سعودي.
لبنان: 10,163,996,590 ريال سعودي.
الأردن: 9,635,505,319 ريال سعودي.
ويؤكد تقرير لـ "صندوق النقد الدولي" (2025) أن هذه المساعدات لعبت دورًا حاسمًا في استقرار الميزانيات الوطنية لهذه الدول؛ ففي مصر، تركزت المساعدات على "دعم الميزانية" وتمويل مشتقات بترولية (مثل الاتفاقية الموقعة في 2018 بقيمة تزيد عن 13 مليار دولار).
أما في اليمن، فقد تنوعت بين الإغاثة الطبية العاجلة وإعادة إعمار المطارات والموانئ والطاقة، لضمان استمرارية الخدمات الأساسية للشعب اليمني.
الريال السعودي يبني البنية التحتية العربية لم تقتصر المساعدات السعودية للدول العربية على سد الرمق الإغاثي، بل ركزت على القطاعات التي تضمن النمو طويل الأجل.
ووفقًا لبيانات قطاع المشاريع، تصدر قطاع "الصناعة والتعدين والموارد المعدنية" بإجمالي 138,346,922,120 ريال سعودي.
ويأتي قطاع "دعم الميزانيات" في المرتبة الثانية بـ 90,106,258,334 ريال سعودي، مما يعكس دور المملكة كصمام أمان مالي للدول العربية في مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.
وتبرز القطاعات التنموية الأخرى كركائز أساسية في العطاء السعودي:
النقل والتخزين: 27,988,993,430 ريال سعودي، ويشمل بناء الطرق الجيوستراتيجية التي تربط الدول العربية ببعضها.
التعليم: 15,164,574,968 ريال سعودي، لدعم الجامعات والمعاهد التقنية.
الطاقة: 14,971,440,773 ريال سعودي، لضمان وصول الكهرباء والوقود للمناطق المتضررة.
المياه والإصحاح البيئي: 12,967,328,160 ريال سعودي.
الصحة: نال القطاع الصحي (تنمويًا وإنسانيًا) أكثر من 21 مليار ريال سعودي.
ويذكر الكاتب علي الخشيبان أن السياسة السعودية "أعادت تعريف معادلة مثلث المنطقة"، حيث ترفض الرياض أن يكون الاستقرار على حساب التنمية؛ فالمشاريع اللوجستية التي يمولها "صندوق الاستثمارات العامة" والربط الكهربائي مع العراق ومصر والموانئ السودانية، هي ترجمة حقيقية لتحويل الشرق الأوسط إلى "أوروبا الجديدة".
التطور التاريخي والسنوي للإنفاق شهدت المساعدات السعودية للدول العربية طفرة كبرى بالتزامن مع إطلاق "رؤية 2030".
وبالنظر إلى المساعدات حسب السنوات، نجد أن عام 2018 سجل رقمًا تاريخيًا بلغ 88,162,657,940 ريال سعودي، واستمر العطاء بوتيرة مرتفعة خلال السنوات التالية، حيث بلغت المساعدات في 2022 نحو 30,663,522,562 ريال، وفي 2023 بلغت 27,640,288,205 ريال سعودي.
وتشير الدراسات التحليلية أن عام 1983 سجل أيضًا قفزة كبيرة بـ 26,996,231,929 ريال سعودي، مما يعكس جذور العطاء السعودي الممتدة منذ عهد الملك عبدالعزيز الذي انتزع وعدًا أمريكيًا تاريخيًا بشأن فلسطين في لقاء "كونسي" عام 1945.
ويؤكد هذا التراكم في الإنفاق يؤكد أن النفوذ السياسي السعودي مدعوم بثقل اقتصادي حقيقي، حيث تحولت الرياض إلى "عاصمة القمم" التي تنسق القرار العربي من موقع القوة والقدرة على التنفيذ.
دور مركز الملك سلمان للإغاثة يعد "مركز الملك سلمان للإغاثة" المحرك الرئيسي للمساعدات السعودية للدول العربية في جانبها الإنساني التطوعي.
فبالإضافة إلى المبالغ المليارية، نُفذت آلاف العمليات التطوعية الصحية، حيث بلغت المساعدات الإنسانية التطوعية في قطاع الصحة 534,713,269 ريال سعودي.
وتنوعت هذه المشاريع بين "نور السعودية" لمكافحة العمى، وزراعة القوقعة للأطفال الفلسطينيين، وعلاج جرحى الحرب اليمنيين في المستشفيات الخاصة والحكومية.
ووفقًا لتصريحات القيادة المالية السعودية في "دافوس"، فإن المملكة تربط اليوم المساعدات بـ "الإصلاحات الاقتصادية" لضمان استدامتها؛ فبدلًا من تقديم الدعم المباشر فقط، يتم الاستثمار في مشاريع تخلق فرص عمل وتقلل التبعية.
ويضمن هذا النهج أن كل ريال سعودي يُنفق، يساهم في بناء اقتصاد عربي أقوى وأكثر استقرارًا، مما يعزز في نهاية المطاف الأمن القومي للمملكة والمنطقة ككل.
وختامًا، فإن الأرقام الفلكية الخاصة بالمساعدات السعودية للدول العربية، والتي تتجاوز 455 مليار ريال، ليست مجرد إحصائيات صماء، بل هي شهادة حية على دور المملكة كـ "قلب المنطقة" وعمودها الفقري.
ومع اقتراب عام 2030، تواصل الرياض صياغة نظام إقليمي جديد يقوم على "الازدهار المشترك"، مؤكدة أن القيادة السعودية لا تُعرف بالخطابات، بل بالنموذج الناجح والمشاريع العابرة للحدود التي تضع الإنسان العربي في قلب اهتماماتها.
هذا المحتوى مقدم من العلم
