الهوية الوطنية في زمن العولمة الرقمية.. الشباب العربي نموذجاً

لم يعد الحديث عن الهوية الوطنية خياراً فكرياً، بل أصبح ضرورة وجودية في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه الثقافات، وتذوب فيه الفواصل بين المحلي والعالمي. وفي قلب هذا المشهد يقف الشباب العربي؛ الجيل الأكثر اتصالاً بالعالم، والأكثر تأثراً به، والأكثر قدرة في الوقت ذاته على إعادة صياغة المستقبل.

العولمة الرقمية لم تغيّر أدوات التواصل فقط، بل أعادت تشكيل الوعي. أصبح الهاتف نافذة على العالم، ومنصة للتعبير، ومرآة يرى فيها الشاب نفسه كما يراه الآخرون. وفي هذا الفضاء المفتوح، تتعرض الهوية لاختبار صامت: هل تظل مرجعية داخلية توجه السلوك والاختيار أم تتحول إلى مظهر خارجي يتغير بتغير الترند؟ في المجتمعات العربية، تمتلك الهوية رصيداً تاريخياً وثقافياً غنياً؛ لغة جامعة، وقيمٌ إنسانية، وتجارب حضارية متراكمة. غير أن هذا الرصيد، إن لم يُقدم بلغة العصر، قد يفقد جاذبيته لدى جيل يعيش سرعة المحتوى، واختصار المعنى، وسيادة الصورة. هنا لا يكون الخطر في الانفتاح على العالم، بل في انقطاع الصلة بين الهوية والواقع اليومي للشباب.

الشباب العربي لا يرفض الانتماء، لكنه يرفض القوالب الجامدة. لا يعادي التراث، لكنه يبحث عن معناه في حياته المعاصرة. يريد أن يكون جزءاً من العالم دون أن يفقد خصوصيته، وأن ينافس عالمياً دون أن يتنكر لذاته. هذه الرغبة المشروعة تتحول إلى أزمة حين لا يجد خطاباً وطنياً يُقنعه بأن الهوية ليست عبئاً على الطموح، بل مصدراً للثقة والاستمرارية. العولمة الرقمية تكافئ التشابه، وتُسرع النسخ، وتختصر التجربة الإنسانية في قوالب جاهزة. ومع تكرار المحتوى، يصبح الاختلاف عبئاً، ويغدو الانتماء مسألة قابلة للتأجيل. هنا تتسلل هشاشة الهوية لا عبر المواجهة، بل عبر التهميش البطيء؛ حين تغيب عن السلوك، وعن اللغة، وعن تمثيل الذات في الفضاء الرقمي. لكن الوجه الآخر للصورة أكثر إشراقاً. فالتقنية ذاتها التي تُهدد الهوية، يمكن أن تكون أداتها الأقوى. يستطيع الشباب العربي اليوم أن يقدم روايته بنفسه، وأن يحول ثقافته إلى محتوى مؤثر، وأن يجعل من لغته وقيمه عنصر جذب لا عائق. الهوية، حين تُقدم بثقة وذكاء، لا تتعارض مع العالمية، بل تُغنيها. المسؤولية هنا ليست مسؤولية الشباب وحدهم، بل مسؤولية المجتمع بمؤسساته التعليمية والثقافية والإعلامية. فبناء هوية وطنية معاصرة يتطلب تعليماً يُنمي التفكير النقدي، وإعلاماً يُقدم نماذج ملهمة، وخطاباً وطنياً يحترم عقل الشاب ويشركه في صياغة المعنى. الهوية لا تُفرض، بل تُقنع؛ ولا تُحفظ بالشعارات، بل بالممارسة. في الفضاء الرقمي، يتحول كل شاب إلى ممثل غير رسمي لمجتمعه. أسلوبه في الحوار، طريقته في الاختلاف، واحترامه للآخر، كلها تفاصيل صغيرة تصنع صورة كبيرة. حين يدرك الشاب أن حضوره الرقمي امتداد لانتمائه، تتغير المعادلة: من استهلاكٍ سلبي إلى مشاركة واعية، ومن تقليد سريع إلى إبداع متجذر. المستقبل العربي لن يُبنى بالتحول الرقمي وحده، بل بالعقل الذي يديره. فالتقدم بلا هوية قد يحقق انتشاراً، لكنه يفتقد البوصلة. أما التقدم بهوية واعية، فيصنع أثراً طويل المدى، ويمنح الشباب شعوراً بالمعنى، لا مجرد سرعة الوصول. الهوية الوطنية في زمن العولمة الرقمية ليست جداراً يُغلق على الشباب، بل أرضية يقفون عليها بثبات وهم ينفتحون على العالم. هي الجذر الذي يمنح الشجرة القدرة على التمدد دون أن تسقط. وحين يفهم الشباب العربي هذه المعادلة، يتحول من متلق للتيارات العالمية إلى فاعل فيها، ومن متأثر بالصورة إلى صانع للمعنى. هكذا فقط، تصبح العولمة فرصة لا تهديداً، وتغدو الهوية قوةً ناعمة لا عبئاً، ويغدو الشباب العربي جسراً حياً بين أصالة المكان واتساع العالم.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 56 دقيقة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 19 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 18 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة
منصة CNN الاقتصادية منذ 4 ساعات