بين ارتفاع البطالة واتساع الفوارق المجالية، يعود الجدل حول اختيارات السياسة الاقتصادية في المغرب إلى الواجهة، في وقت تكشف فيه فرضيات مالية متفائلة، واستثمارات عمومية تتركز في ثلاث جهات، وتآكل مستمر في القدرة الشرائية، عن اختلالات تضع مسار النمو وعدالته موضع تساؤل متزايد.
في هذا السياق، يفتح خالد السطي، عضو مجلس المستشارين عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب وممثل النقابة داخل البرلمان، في حوار خاص لـ«إرم بزنس»، ملف الاقتصاد الاجتماعي والمالي، محذراً من حدود الخيارات الحكومية المعتمدة ومكامن الخلل البنيوي في السياسة المالية.
المغرب يستهدف 10 مليارات دولار عوائد من الذكاء الاصطناعي بحلول 2030
فرضيات مالية
وبيّن السطي أن المبدأ الأساس في إعداد قوانين المالية يقتضي التقارب بين ظروف التشريع وظروف التنفيذ، غير أن التجربة العملية خلال السنوات الأخيرة كشفت، بحسب تعبيره، عن فجوة واضحة بين الفرضيات المعتمدة والواقع الاقتصادي، خصوصاً في ما يتعلق بتوقعات الإنتاج الفلاحي، وأسعار المحروقات، ومستويات التضخم، ومعدلات النمو الاقتصادي سواء على المستوى الوطني أو في المحيطين الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن النقاش البرلماني حول قانون المالية يركز بالأساس على ضرورة تدقيق الفرضيات المعتمدة، رغم الإكراهات المرتبطة بالمناخ والظرفية الدولية، محذراً من أن الركون إلى توقعات متفائلة قد يؤدي إلى صعوبات في تنفيذ الالتزامات المعلنة، ويضعف مصداقية السياسة المالية خلال السنة الموالية.
بطالة غير مسبوقة
وفي ما يخص ملف التشغيل، أكد عضو مجلس المستشارين أن الحكومة أعلنت تخصيص 14 مليار درهم لخارطة طريق جديدة للتشغيل، غير أن الأرقام الرسمية تعكس استمرار تفاقم البطالة، حيث بلغت نحو 13%، وهو مستوى غير مسبوق منذ بداية الألفية.
وشدد على أن التحذير من مخاطر البطالة ليس موقفاً سياسياً، بل يستند إلى تقارير صادرة عن مؤسسات رسمية، موضحاً أن محاولات الحكومة لمواجهة هذه الإشكالية عبر سياسات للتحول الاقتصادي لم تنجح في وقف نزيف فقدان مناصب الشغل، خاصة في أوساط الشباب.
وأضاف أن الرهان الحقيقي يتمثل في قدرة هذه الاعتمادات على خلق فرص عمل قارة ولائقة، وليس فقط فرص مؤقتة لا تترك أثرًا اقتصاديًا مستدامًا.
برامج التشغيل
وبشأن برامج «فرصة» و«أوراش» و«انطلاقة»، اعتبر السطي أن النقاش حول هذه المبادرات يجب أن ينطلق من تقييم موضوعي لأثرها الاقتصادي الحقيقي، بعيدًا عن التسويق السياسي.
وأردف خالد السطي، أن عدداً من هذه البرامج كان يمكن أن يحقق نتائج أفضل لو تم إدخال تعديلات بسيطة على مستوى التصميم والحكامة.
وأشار إلى أن تنزيل بعض هذه البرامج أفرز اختلالات متعددة، من بينها متابعات قضائية في حق مستفيدين، إلى جانب إشكالات مرتبطة بالطابع المؤقت للتشغيل في برنامج «أوراش»، ما أدى إلى حرمان عدد من الأسر من الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر بسبب تسجيل المستفيدين في منظومة الضمان الاجتماعي.
كما أثار إشكالات تتعلق بالشفافية ومعايير استفادة بعض الجمعيات، ما يطرح تساؤلات حول حكامة التنفيذ ونجاعة الأثر.
رئيس هيئة المقاولات بالمغرب: «انطلاقة» و«فرصة» لا تعالجان جذور الأزمة
انحصار استثماري
وسجل السطي أن أكثر من 60% من الاستثمارات العمومية تتركز في ثلاث جهات فقط، معتبراً أن هذا الواقع يعمّق الفوارق المجالية، ويحرم باقي الجهات، خاصة تلك التي تفتقر إلى موارد ذاتية، من فرص التنمية وجذب الاستثمار.
ولفت إلى أن الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2025 نبه بوضوح إلى إشكالية «مغرب السرعتين»، داعياً إلى تجاوز المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية، والانتقال إلى تنمية مجالية مندمجة.
وذكر أن قانون الإطار الجديد للاستثمار يُعول عليه لدفع المستثمرين نحو مختلف الجهات، مشيراً إلى مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي، إضافة إلى تحفيزات استثمارية تصل إلى 30%، بما يعزز جاذبية الاستثمار الخاص والأجنبي.
تجمع الشباب لتنظيم مظاهرة مطالبين بإصلاحات في التعليم والرعاية الصحية، في الرباط، المغرب، في يوم 2 أكتوبر 2025.
تآكل القدرة الشرائية
وفي ملف الدولة الاجتماعية، أكد السطي أن هذا الورش يشكل مشروعاً استراتيجياً طويل الأمد، لا يرتبط بزمن حكومي محدد، معرباً عن تخوفه من اتساع الفجوة بين السياسات الحالية والرهانات الحقيقية لهذا المشروع، في ظل استمرار تآكل القدرة الشرائية للأسر.
وأوضح أن تقارير مؤسسات دستورية وطنية خلصت إلى أن الحكومة لم تعالج جذور التضخم، المرتبطة بعوامل هيكلية، من بينها وضعية التركيز والمضاربة داخل الأسواق.
واستشهد بقطاع المحروقات كمثال واضح على ممارسات منافية لقواعد السوق، ملمحاً إلى أن الزيادات في الأجور، سواء في القطاع العام أو الخاص، والرفع من بعض التعويضات، لم تواكب مستويات الغلاء المسجلة.
إصلاح التقاعد
واستطرد السطي بأن ملف التقاعد من أكثر الملفات تعقيدًا، ويتطلب إصلاحاً جوهرياً وعميقاً يقطع مع المقاربات المقياسية.
ونوه إلى أن الحكومة لم تفِ بالتزاماتها السابقة بعرض مشاريع قوانين إصلاح التقاعد على المصادقة التشريعية، رغم تعهدها بذلك في محاضر رسمية مع المنظمات النقابية.
وأكد أن التوازن المالي للصندوق المغربي للتقاعد لن يواجه اختلالات حادة قبل سنة 2031، ما يتيح، بحسب رأيه، هامشاً كافياً لإطلاق حوار جاد ومسؤول مع مختلف المتدخلين، رافضاً أي مقاربة أحادية تمس بحقوق المنخرطين.
المغرب.. التضخم يرتفع إلى 0.3% في سبتمبر بدعم أسعار السلع غير الغذائية
إمكانيات كبيرة وتحديات أعظم
وفي تشخيصه لأعطاب الاقتصاد، أفاد السطي بأن استمرار ضعف الإنتاجية وتراجع الابتكار، حيث حل المغرب في المرتبة 56 عالمياً، معتبراً أن تحسين التنافسية يتطلب تعبئة شاملة لكل المؤسسات، واعتماد حكامة فعالة لتنفيذ المخططات، وإحداث تحول عميق في الثقافة الاقتصادية السائدة.
وأكمل أن المغرب يتوفر لديه مؤهلات طبيعية وبشرية مهمة، واستثمر بشكل كبير في البنيات التحتية، إلا أن التحدي الأساسي يكمن في استثمار هذه الموارد بالشكل الأمثل، والاستفادة من تجارب الدول الصاعدة التي نجحت في تحقيق نسب نمو مرتفعة خلال فترات زمنية وجيزة.
احتقان التعليم
كما حذر ممثل الاتحاد الوطني للشغل في البرلمان من الكلفة الاقتصادية لاستمرار الاحتقان في قطاعات حيوية، وعلى رأسها التعليم، معتبراً أن أي تعثر في إصلاح المنظومة التعليمية ينعكس مباشرة على مسار التنمية الاقتصادية.
وأشار إلى أن مشاريع مثل «مدرسة الريادة» تواجه تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والموارد البشرية والتفاوت المجالي، داعياً إلى تحييد إصلاح التعليم عن الأجندات السياسية، والالتزام بتنزيل القانون الإطار 51.17، باعتباره إصلاحًا استراتيجيًا طويل النفس، عابراً للولايات الحكومية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

