حين تتبدّل طريقة الحديث عن الشأن العام، لا يكون ذلك مجرد تغيير في الأسلوب، بل انعكاس لتحوّل أعمق في كيفية فهم الوقائع والتعامل معها. فاللغة، بطبيعتها، لا تعمل كوعاء محايد للأحداث، بل تُسهم في ترتيبها، وتمنحها وزنًا قد يتجاوز أحيانًا حجمها الفعلي، خصوصًا عندما تصبح الكلمة أسرع حضورًا من التأمل، وأقرب إلى الانطباع منها إلى التفسير.
في مثل هذه الأجواء، تميل بعض التغطيات الإعلامية إلى الانزلاق من الشرح إلى التوتر، ومن التحليل إلى بناء مواقف متعجلة، فتُصبح اللغة انعكاسًا لحالة نفسية أكثر منها أداة للفهم. ومع تكرار هذا المسار، تبدأ الوقائع في التمدد خارج سياقها الطبيعي، وتُحمَّل دلالات لا تحتملها، وتُبنى حولها سرديات جاهزة يُعاد تداولها وتضخيمها بدل اختبارها أو التحقق من متانتها.
المشكلة الحقيقية في هذا النمط من الخطاب لا تكمن في حدّته الآنية، بل في أثره التراكمي. فاللغة التي تُستخدم في لحظة انفعال لا تزول بزوال الحدث، بل تبقى في الذاكرة العامة، وتتحول لاحقًا إلى عبء سياسي وأخلاقي على من استخدمها، حتى وإن تغيّرت السياقات أو تبدّلت الحسابات. هنا يظهر الفرق بين خطاب يعيش للحظة، وخطاب يُبنى وهو يضع الزمن في اعتباره.
في المقابل، هناك مقاربة أخرى لإدارة الأزمات الإعلامية، تقوم على التمييز بين ما يتطلب ردًا فوريًا، وما يكفي أن يُراقَب دون تعليق، وعلى إدراك أن ضبط اللغة لا يقل أهمية عن وضوح الموقف. هذه المقاربة لا تنطلق من عجز عن التعبير، بل من وعي بأن الكلمة التي تُقال تحت ضغط اللحظة قد تُقيد القرار لاحقًا أكثر مما تخدمه، وأن الانفعال قد يوسّع دائرة الخطاب لكنه يضيّق هامش الحركة.
من هذا المنظور، لا يبدو الصمت دائمًا فراغًا، بل قد يكون أداة واعية لإدارة الزمن والحفاظ على الخيارات مفتوحة حين تضيق البدائل. فالدول التي بنت سياساتها على استقلال استراتيجي واضح لا ترى في الحملات الإعلامية الصاخبة أكثر من ظواهر مؤقتة،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من موقع 24 الإخباري
