غالبًا ما تُثار حول السياسة الإماراتية قراءات نقدية تحاول تصويرها من زاوية سلبية، وخصوصًا في السياقات الإعلامية التي تتسم بالاستقطاب، فتصفها بأنها سياسة تهدف إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، فإن هذه النظرة تتجاهل التطورات التاريخية والسياسية العميقة التي شهدتها الإمارات منذ قيام الاتحاد عام 1971، والتطور البنيوي الذي حولها من مجموعة مشيخات صغيرة متفرقة إلى دولة حديثة قادرة على لعب دور فاعل ومستقل في السياسة الإقليمية والدولية.
فالإمارات اليوم ليست مجرد كيان تابع لإرث تاريخي أو استعماري، بل هي دولة ذات سيادة كاملة، مؤسسات قوية، اقتصاد متنوع، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، تعكس قدرتها على التعامل مع التعقيدات الإقليمية بطريقة مسؤولة ومتوازنة.
ويرى المحلل السياسي سعيد جداد أن بعض هذه القراءات أحادية وتميل إلى تبسيط الواقع، حيث تصور السياسة الإماراتية على أنها تهدف بالأساس إلى زعزعة الاستقرار في محيطها الإقليمي، في تجاهل واضح للتعقيدات الداخلية والخارجية التي تحدد سلوك أي دولة في المنطقة. ويشير جداد إلى أن هذا النوع من التحليل يغفل التطورات الجوهرية التي شهدتها الدولة منذ قيام الاتحاد الإماراتي، إذ تحولت الدولة من مجموعة مشيخات صغيرة متفرقة، كل منها يدير شؤونه بمعزل عن الآخر، إلى دولة حديثة ذات مؤسسات راسخة وقيادة مركزية فعالة، قادرة على وضع سياسات متكاملة وتطبيقها على الأرض، مع الحفاظ على توازن في علاقاتها الخارجية وقدرة على التأثير الإقليمي بشكل مستقل ومدروس.
ويؤكد جداد أن هذا التصوير الأحادي يفتقر إلى المنهجية العلمية، لأنه يتجاهل السياق التاريخي المشترك الذي نشأت فيه جميع دول الخليج، والتي تأثرت بالتجارب الاستعمارية والتحديات الجيوسياسية نفسها. ومن هذا المنطلق، فإن تحميل الإمارات وحدها صفة "الدولة الوظيفية" أو تصنيفها كمصدر لعدم الاستقرار ليس مبررًا، فهو يبسط الواقع ويغفل الإنجازات البنيوية والسياسية التي حققتها الدولة على مدى أكثر من خمسة عقود.
التحول البنيوي العميق
وشهدت الإمارات تحولًا جذريًا على جميع الأصعدة، سياسيًا واقتصاديًا ودوليًا، جعلها نموذجًا لدولة حديثة قادرة على مواجهة تحديات العصر المعاصر. فقد انتقلت الدولة سياسيًا من كيانات متفرقة إلى قيادة مركزية فاعلة، أسست مؤسسات حكومية حديثة تتمتع بالقدرة على إدارة شؤون الدولة بكفاءة عالية، مع وضع أطر قانونية وتنظيمية متكاملة لضمان استقرار النظام الإداري وتعزيز قدرة الدولة على وضع وتنفيذ سياسات استراتيجية بعيدة المدى.
ومن الناحية الاقتصادية، نجحت الإمارات في التحول من اعتماد شبه كامل على النفط إلى نموذج متنوع يشمل التجارة والسياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، حيث تجسد مشاريع مثل مدينة مصدر للطاقة النظيفة ومبادرات الابتكار التكنولوجي رؤية الدولة في بناء اقتصاد مستدام ومعاصر قادر على المنافسة عالميًا وجذب الاستثمارات وتعزيز التنمية الداخلية. أما على الصعيد الدولي، فقد طورت الإمارات شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع القوى الكبرى، من الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى الاتحاد الأوروبي، ما منحها القدرة على لعب دور مؤثر ومتوازن في السياسات الإقليمية والدولية والمساهمة في استقرار محيطها الإقليمي.
ويشير المحلل السياسي سعيد جداد إلى أن الإمارات اليوم تمثل نموذجًا لدولة حديثة قادرة على إدارة مصالحها الوطنية ضمن محيط إقليمي معقد ومتغير، فهي تجمع بين استقرار داخلي ملموس، ونهج خارجي استراتيجي متوازن، وإمكانات مؤسسية واقتصادية وسياسية تجعلها لاعبًا رئيسيًا قادرًا على التأثير بشكل إيجابي في المنطقة، بما يتجاوز أي توصيف تقليدي أو أحادي الجانب.
وأضاف أن "التحولات البنيوية التي شهدتها الإمارات تجعل من المستحيل اختزال دورها في قالب الدولة التابعة أو الدولة الوظيفية، فالدولة اليوم لاعب فاعل في السياسة الإقليمية والدولية، وقادرة على إدارة مصالحها الوطنية والتأثير على محيطها الإقليمي بشكل مستقل وفاعل".
استقرار إقليمي وتنمية مستدامة
تستند السياسة الخارجية لدولة الإمارات إلى أسس واضحة تقوم على تحقيق الاستقرار والتنمية في المنطقة عبر التعاون متعدد الأطراف والمشاركة الفاعلة في تحالفات إقليمية ودولية، بعيدًا عن أي تصور لتصدير الفوضى كما يحاول بعض المنتقدين تصويره. ويرى المحلل السياسي سعيد جداد أن هذا التوصيف الأحادي يتجاهل السياق الواقعي المعقد للمنطقة ويختزل دور الدولة في صورة مغلوطة، موضحًا أن السياسة الإماراتية مبنية على نهج استراتيجي يوازن بين مصالحها الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
ويشير جداد إلى أن التدخل الإماراتي في اليمن جاء ضمن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لدعم الشرعية واستقرار الدولة، مؤكّدًا أن الأزمة اليمنية ليست نتاج تدخل خارجي واحد، بل تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية طويلة. ويضيف جداد أن دور الإمارات في هذا السياق يعكس التزام الدولة بدعم المؤسسات الشرعية وتقليل آثار الصراعات الداخلية المتراكمة، من خلال تقديم الدعم اللوجستي والاقتصادي والمساهمة في جهود إعادة الإعمار والبنية التحتية، بما يضمن تعزيز قدرة الدولة اليمنية على ممارسة سيادتها واستعادة الاستقرار.
أما فيما يتعلق بليبيا والسودان، فيوضح جداد أن الاتهامات التي تصور الإمارات كمصدر رئيسي للفوضى تتجاهل حقيقة التدخلات الدولية المعقدة التي شملت حلف الناتو وعدة قوى إقليمية ودولية، والتي ساهمت بشكل رئيسي في تشكيل مسار الأحداث في هذين البلدين. ويشير جداد إلى أن مشاركة الإمارات كانت ضمن هذا الإطار الاستراتيجي، بما يتوافق مع مصالح الاستقرار والتنمية، وركزت على دعم الحلول السياسية، وتعزيز البنية التحتية، وتطوير المشاريع الاقتصادية، وليس فرض النفوذ الأحادي.
ويؤكد جداد أن هذه النهج يعكس فلسفة واضحة للسياسة الإماراتية تقوم على الشراكة والعمل الجماعي: "السياسة الإماراتية تعمل ضمن تحالفات لتحقيق الاستقرار وليس الانفراد بالقرار، وهي تسعى دائمًا لموازنة المصالح الوطنية مع التزاماتها الإقليمية والدولية."
الإمارات والسعودية في رؤية متكاملة
تكثر المقارنات المبسطة بين الإمارات والمملكة العربية السعودية، حيث تُصوّر الأولى على أنها مصدر عدم الاستقرار والثانية كحارس الاستقرار الإقليمي، لكن هذا التوصيف يغفل الحقيقة المعقدة للعمل الدبلوماسي والسياسي في المنطقة. ويشير المحلل السياسي سعيد جداد إلى أن تدخلات السعودية في اليمن وسوريا ولبنان تمت ضمن تحالفات واسعة، وكانت الإمارات شريكًا نشطًا في هذه الجهود، ما يعكس تنسيقًا استراتيجيًا متبادلًا يهدف إلى تعزيز الاستقرار وحماية مصالح المنطقة بشكل جماعي.
ويضيف جداد أن السياسة الإماراتية لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا السياق المتكامل الذي يجمع بين الشراكة الإقليمية والمصالح الاستراتيجية المشتركة، مؤكدًا أن قراءة الإمارات بوصفها "مصدر عدم الاستقرار" هي قراءة أحادية تبسط واقعها وتغفل دورها كطرف مسؤول وفاعل في إدارة الأزمات الإقليمية ضمن تحالفات متعددة الأطراف.
ويشير جداد إلى أن هذا التوجه يعكس فلسفة واضحة للسياسة الإماراتية تقوم على العمل المشترك، وبناء الثقة بين الشركاء الإقليميين، مع الحفاظ على القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة توازن بين المصالح الوطنية والمبادئ الإقليمية، ما يجعل الإمارات لاعبًا مؤثرًا قادرًا على المساهمة في صياغة السياسات الإقليمية دون الإضرار بمصالح شركائها.
رؤية استراتيجية بعيدة المدى
يمثل التحول الداخلي والخارجي للإمارات خلال العقود الأخيرة نموذجًا واضحًا لقدرة الدولة على الجمع بين تطوير الداخل والتفاعل الذكي مع الخارج. فقد أنشأت الدولة مؤسسات حديثة تدير الاقتصاد والسياسة بفعالية، وطبّقت استراتيجيات مستدامة للنمو والتنمية، وجذبت الاستثمارات العالمية، وحوّلت الدولة إلى مركز اقتصادي وتجاري وإقليمي مهم، يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى تجعل الإمارات في مصاف الدول الحديثة القادرة على التأثير الإيجابي في محيطها الإقليمي والدولي.
ويؤكد سعيد جداد أن هذا التوازن بين الداخل والخارج يعكس نموذجًا إقليميًا يحتذى به في صياغة سياسات الاستقرار والتنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن نجاح الإمارات في بناء مؤسسات قوية واقتصاد متنوع وعلاقات دولية متوازنة يمثل ركيزة أساسية لدورها الإقليمي والدولي. ويضيف جداد أن هذه الرؤية الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى تعزيز مكانة الدولة عالميًا، بل تضمن أيضًا قدرة الإمارات على حماية مصالحها الوطنية، والمساهمة بفاعلية في دعم الاستقرار والتنمية في المنطقة، بما يجعلها نموذجًا للدولة الحديثة التي تجمع بين القوة المؤسسية والرؤية الخارجية الذكية.
ويخلص تحليل جداد إلى أن السياسة الخارجية الإماراتية لا يمكن فهمها بمعزل عن هذه الرؤية المتكاملة التي تجمع بين دعم الاستقرار الداخلي للدول الشريكة، وتعزيز التنمية الاقتصادية، والمساهمة في إدارة الأزمات بشكل استراتيجي ضمن تحالفات متعددة الأطراف، مما يجعل الإمارات لاعبًا مسؤولًا وفاعلًا في المشهد الإقليمي، قادرًا على تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والتزاماتها الدولية، وهو ما يميزها عن أي قراءة أحادية أو تبسيطية لدورها.
المصدر : نيوزيمن
هذا المحتوى مقدم من نافذة اليمن
