رهان غزة المعقّد.. تقاطع محتمل بين رؤية ترامب وحكم التكنوقراط فهل ينجح؟

تتأهب غزة، القطاع المحاصر الذي يئن تحت وطأة الدمار المتكرر والأزمات الإنسانية المزمنة، لاستقبال فصلٍ جديد من الصراع على تحديد مصيرها، هذه المرة، ليس عبر صواريخ أو غارات إسرائيل، بل من خلال مشروعين سياسيين يتنازعان على شرعية تمثيل مستقبلها، وإدارة حاضرها المنكوب. مواضيع ذات صلة من الخارج، تُطلّ مبادرة الرئيس الأميركي ترامب بمشروع طموح وعائم الملامح، "مجلس دولي للسلام" يُفترض أن يقود عملية إعادة الإعمار، وإدارة ملف الأمن في القطاع، حاملا وعودا بالتمويل الدولي والضمانات الدبلوماسية، ومن الداخل، تسعى قوى فلسطينية جاهدة لتشكيل "لجنة تكنوقراط" فلسطينية محايدة، هدفها الإمساك بزمام الأمور الإدارية والخدمية اليومية، في محاولة لاستعادة السيطرة المحلية وتجاوز حالة الانقسام السياسي الهدام.

إذا، مساران لواقع ومستقبل غزة، وهنا يبرز السؤال المصيري، هل تشكل هذه "الثنائية" فرصة تاريخية للخروج من المأزق الراهن؟ أم أنها وصفة أكيدة لتصادم جديد؟ وهل يمكن لمجلس ترامب، بثقله الدولي وموارده، ولجنة التكنوقراط، بشرعيتها الداخلية المحتملة ومعرفتها بالأرض، أن يلتقيا على أرضية مشتركة تنقذ غزة من الهاوية؟

"مجلس السلام ولجنة التكنوقراط" مجلس ترامب للسلام: تستند مبادرة ترامب إلى فكرة تشكيل مجلس دولي يضم دولا عربية وأوروبية بالإضافة إلى الولايات المتحدة، بهدف "إدارة عملية السلام وإعادة إعمار غزة"، لكن المبادرة تواجه انتقادات حادة من قبل فصائل فلسطينية عديدة ترى فيها محاولة للالتفاف على الحقوق الوطنية الفلسطينية وفرض وصاية خارجية.

لجنة التكنوقراط: تسعى جهات فلسطينية إلى تشكيل لجنة تكنوقراطية مستقلة، تضم خبراء وإداريين محايدين، لإدارة شؤون غزة بشكل مؤقت، ويهدف هذا المسار إلى تجاوز الانقسام السياسي بين "فتح" و"حماس"، والتركيز على الحاجات الملحة للسكان، غير أن هذا المسار يواجه تحديات داخلية جسيمة، أبرزها عدم وضوح الصلاحيات، وطبيعة العلاقة مع السلطة الفلسطينية في رام الله، وعراقيل إسرائيل.

وحول استطاعة "مجلس ترامب للسلام" و"لجنة التكنوقراط" إنقاذ قطاع غزة، يعتقد المحلل السياسي جهاد حرب خلال حديثه مع منصة "المشهد"، بأن "هناك إرادة دولية لوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهذا يتطلب مجموعة من القضايا أبرزها إعادة الإعمار وإتاحة فرصة للحياة للفلسطينيين في غزة، من خلال تشكيل لجنة للحكم بديلة عن حكم حركة "حماس" بمساندة ودعم المجتمع الدولي".

"مساران متوازيان قد لا يلتقيان" ويضيف "أي بمعنى آخر الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، وعدم العودة للحرب التي عايشناها، وتحقيق الاستقرار داخل قطاع غزة لإعادة الحياة، وأمر النجاح والفشل مرهون بعوامل متعددة، أولاً، استمرار الإرادة الدولية، ثانياً، تراجع الحكومة الإسرائيلية عن مخطط تهجير الفلسطينيين من غزة، ثالثاً، قبول حركة "حماس" للشروط الدولية وفي مقدمتها ما يتعلق بنزع السلاح الموجود لديها في قطاع غزة".

ويتابع حرب حديثه قائلا: "في ضوء المعطيات الراهنة، فإن المسارين يسيران في خطَّين متوازيّين قد لا يلتقيان، فمجلس السلام الدولي، إذا ما تحقق، سيُفهم على أنه أداة سياسية وأمنية لتحقيق استقرار يخدم الرؤية الأميركية والإسرائيلية في المقام الأول، بينما ستُفهم لجنة التكنوقراط على أنها محاولة للإمساك بعجلة القيادة الداخلية واستعادة السيطرة الفلسطينية على القرار اليومي، حتى لو كان ضمن مساحة محدودة".

ويرجح المحلل السياسي حرب لـ"المشهد"، وجود رغبة فلسطينية جامحة لإنقاذ غزة من حلقات المعاناة المتكررة، ويضيف بالقول: "على ما يبدو بأن هناك اتفاقا عاما لدى الفلسطينيين بأن هناك مستقبلا واحدا لأهالي قطاع غزة تحت إدارة اللجنة الجديدة، اللجنة الوطنية لإدارة شؤون القطاع، التكنوقراط، حيث إن بيان الفصائل الفلسطينية المجتمعة في القاهرة أكدت على جهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ودعم هذه اللجنة، وفي الوقت ذاته أكدت الرئاسة الفلسطينية على دعم هذه اللجنة، وبالتالي المسار الوحيد على ما يبدو اليوم لإنقاذ قطاع غزة وإدارة شؤونه هو من خلال لجنة التكنوقراط والوصايا الدولية عبر مجلس السلام الذي يقوده الرئيس ترامب".

العقبات والأرضية المشتركة من جانبه، يوضح الأكاديمي والخبير السياسي الدكتور أيمن الرُقُب لـ"المشهد" العقبات التي ستواجه الطرفين، قائلا: "أولاً، مبادرة مجلس ترامب للسلام، رغم ما يحمله من وعد بالتمويل الدولي والضغط الدبلوماسي، يصطدم بعقبة الشرعية الفلسطينية الأولى، إذ ترفض الفصائل الفلسطينية الرئيسية، وعلى رأسها "حماس" و "الجهاد الإسلامي"، أي تدويل لقضية غزة خارج إطار منظمة التحرير والثوابت الوطنية، كما أن المبادرة تفتقر إلى آلية واضحة للتعامل مع الحقيقة السياسية على الأرض، خصوصا وجود "حماس" كقوة مسيطرة، ورفض إسرائيل أيّ دور فلسطيني موحد في غزة ما لم يتم نزع سلاح الفصائل".

ويتابع الخبير السياسي بالقول: "ثانيا، لجنة التكنوقراط الفلسطينية تعترضها معضلة التمثيل والصلاحيات، فهي تفتقد التفويض السياسي الواضح من جميع الأطراف الفلسطينية، كما أن قدرتها على العمل مرهونة بموافقة إسرائيل على فتح المعابر وحرية الحركة، ناهيك عن التحدي الأمني البارز المتمثل في من سيتولى حفظ الأمن الداخلي، هل ستتفق "حماس" على تسليم هذه الملفات الحساسة، وهل ستسمح إسرائيل بعودة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية إلى القطاع".

وعن الأرضية المشتركة التي يمكن أن يلتقي عليها المساران، قال الرقب: "الإجابة تبدو شبه مستحيلة في الظروف الراهنة، الأرضية الوحيدة المحتملة، والتي تبدو هشة هي التركيز على الجانب الإنساني وإعادة الإعمار كمدخل مؤقت، فقد يتمكن مجلس ترامب من توفير التمويل والدعم اللوجستي، بينما تتولى لجنة التكنوقراط التنفيذ الميداني وضمان وصول المساعدات دون شروط سياسية مُسبقة".

وأضاف "لكن حتى هذا التعاون المشروط قد ينهار أمام أول خلاف حول من يقرر، فالمعضلة الحقيقية ليست في غياب الأفكار، بل في غياب الثقة وتعارض الرؤى الجوهرية حول مستقبل غزة، هل هي كيان خاضع للإدارة الدولية أم جزء من مشروع السيادة الفلسطينية؟ ما دام هذا السؤال بلا إجابة، فستبقى العقبات أقوى من أيّ جسر للتلاقي".


هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من قناة المشهد

منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 3 ساعات
قناة يورونيوز منذ 9 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 18 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 6 ساعات
قناة العربية منذ 5 ساعات
بي بي سي عربي منذ 8 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 15 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 19 ساعة
قناة العربية منذ 10 ساعات